العقاد في التحرير.. ومدونته عقاديات/ عبدالواحد محمد

رغم مرور عقود نيفت علي الخمسين لرحيل عملاق الفكر العربى عباس محمود العقاد،إلا أنه سوف يظل خالدا بثورته الفكرية المحورية التي الهمت العديد من الأدباء والمثقفين من خلال صالونه المعروف (ندوة العقاد ) صباح كل يوم جمعة لتكون حديثا عربيا وكرنفالا فكريا ممتعا
لا ينقطع بأطروحاته التي تناولها النقاد عبر عقود ومن رحم ثورة 25يناير نفتح صفحات عقادية بأعتباره ملهما وصاحب اهتمامات إيجابية واضحة بالثورات، سواء العالمية أوالمصرية. وهي بالطبع تختلف عن تختلف عن اهتمامات أفراد جيله من الرواد، فقد كتب عن أغلب هذه الثورات، وتحدث عنها حديث من طب لما يحب، ومن هذه الثورات العالمية: الثورة الفرنسية، والثورة الأمريكية، والثورة الروسية.
وكان حديثه يدور حول الذين قاموا بها، والذين مهدوا لها، كما تحدث عن الثورات المصرية المتتالية، وكانت اهتماماته بها: إما كمدافع عنها وعن زعيمها كما حدث فى ثورة عرابى عام 1882، أو القاسم والشريك كما حدث فى ثورة مارس عام 1919، أوالمطالب بها والمؤيد لها كما حدث فى ثورة يوليو عام 1952، ولعل اهتمام العقاد بالثورات كان ينسق مع ملامح شخصيته تلك التى لم تعرف سكونا أوهمودا حتى إنه كان لا ينتهى من معركة إلا ليبدأ معركة جديدة، إذ كيف يهدأ، أويسكن إنسان شأنه كان شأن قادة الفكر الذين كانت الرسالة عندهم ليست فى أن يزيدوا المعرفة من جنسها، بل كانت الرسالة عندهم فى أن يغيروا من جنس المعرفة معرفة وينقلوها إلى عمل جديد مختلف، وهى سمات وملامح ربما تقترب من ملامح وسمات الثوار الذين يثورون لتغيير الأوضاع بشكل يختلف عما كانت عليه من قبل.
لقد بدأ العقاد الاهتمام بالثورات المصرية حين كتب عن الثورة العرابية وأين؟ فى صحيفتى اللواء والدستور التابعتين للحزب الوطنى الذى كان يهاجم هذه الثورة. ومتي؟ فى بدايات القرن العشرين حين كان العقاد شابا دون العشرين من عمره. وربما يفسر موقف العقاد غير المعجب من الممارسات السياسية للزعيم مصطفى كامل، انتقاد الأخير للثورة وزعيمها عرابي. كموقف انسحب على كتاب الحزب الوطنى وقتئذ ـ ومنهم عبد الرحمن الرافعى فى تأريخه لهذه الثورة ووصفه عرابى بالجهل والتهور. وهنا دافع العقاد عن هذه الثورة، حتى وضع دفاعه عن عرابى وثورته فى مكانه الصحيح من الحركة الوطنية لمصر. ولنقرأ مثلا رأيه عن عرابى قوله: «لا نجد إلا قليلا من الكتاب الذين أنصفوا عرابي، بل إن أكثرهم استمدوا علمهم من أكذوبة تقول إن البطل أحمد عرابى كان خائنا لوطنه، مأجورا للانجليز على أن يقوم بالثورة ويمهد لهم الاحتلال، وأنه وحده هو المسئول عن إحتلال مصر!!» ثم يتساءل: «أين هى الأموال التى استؤجر بها عرابى وباع بها وطنه للإنجليز كما افترى عليه هؤلاء المنافقون؟ لقد كانت مصر كلها فى قبضة يد ذلك الرجل فما اقتنى شيئا، ولا جمع مالا، ولا ترك لأبنائه من بعده كثيرا ولا قليلا. وأن رجلا كهذا لأشرف الف مرة من أولئك اللصوص الذين لا تنبسط أيديهم الا اذا جمعوا الملايين من السحت والسرقة والاغتصاب».
أما ثورة مارس عام 1919 فقد كان فيها العقاد شابا دون الثلاثين، وكان له فيها دور بارز، وأثناء اشتعالها حقق شهرة لافتة، حتى إن مؤرخيه ونقاده اعتبروا أن هذه الثورة قد قدمت العقاد ككاتب سياسى من الطراز الأول، خاصة بعد أن توطدت علاقته بزعيمها سعد زغلول، الذى طلب منه بطريقة غير مباشرة، كتابة مقالات مؤيدة للثورة، فكتب إلى جانب مراجعة منشورات الثورة التى كانت تكتبها جماعة اليد السوداء، وتعديل صياغتها حتى تكون أكثر تأثيرا على الجماهير، لإيمان سعد زغلول بوطنية العقاد إلى جانب موهبته التى صنعت منه قلما جبارا، وكاتبا أوحد للأمة، كما كان بعينه سعد زغلول، ومن ناحية أخرى فقد ازداد العقاد إيمانا ويقينا بهذه الثورة والدفاع عنها بعد نفى زعمائها.
وأما اهتمام العقاد بثورة يوليو 1952، فقد كان اهتمام المطالب بها المؤيد لها، حيث يذكر فساد الملك بعد كشف فضائح الأسلحة الفاسدة فى حرب فلسطين حيث يقول: «لم يبق أحد يضمر الولاء للملك الذى وصلت به الضعة أن يتجر بأرواح جنده وهم فى ساحة القتال» إلى أن يقول: «وهكذا الأمل انقطع شيئا فشيئا فى الاصلاح، وأصبح السخط فى القلوب غالبا على كل حيرة فى العقول، حتى اذا كانت الأسابيع الأخيرة من عهد فاروق المشئوم جرى ذكر الكوارث التى تتعاقب فى مجلس ضم اكثر من عشرين مصريا. فقال قائل: وما العمل؟، فقلت: إنها الثورة لا محيص لنا منها ولا معدل، وليكن ما يكون، والحمد لله قامت الثورة ونجحت».
والسؤال المطروح الآن: ماذا عن موقف العقاد لو كان حيا بيننا اليوم ومن ثورة الشباب فى 25 يناير؟
أتصور ـ وقد أكون مخطئا أو صائبا ـ أن العقاد صاحب الاهتمامات بالثورات، والمؤيد لها، وفارس المعارك السياسية والفكرية، لو كان حيا بيننا اليوم وشاهدا ما جرى فى ميدان التحرير من شباب مصر لأتاه على الفور إحساس ابن العشرين حين دافع عن ثورة عرابي، أو ابن الثلاثين حين اشترك فى ثور 1919، أو الكاتب السياسى الناضج الذى طالب بثورة 1952. ولكان بارك عمل هؤلاء الشباب وأيدهم، وساند ثورتهم تلك التى كانت الخلاص مما كانت مصر تعانيه من فساد كبير وسياسة مريضة وغياب العدالة الاجتماعية وأيضا من خلال مدونة له علي الإنترنت تحمل أسم ( عقاديات ) لإيمانه المطلق بمواكبة العصر حتي الرمق الأخيركما كان سيدلي بصوته الإنتخابي للشباب ولهؤلاء الثوارليمثلوا الأغلبية في البرلمان ويعلن بلا تردد تأييده لحكومة إنقاذ وطني تضم اغلبيتها من شباب التحرير ولا يكون علي رأسها ومن بينهم عواجيزكل الأفراح !!
كاتب وصحفي مصري
ABDELWAHEDMOHANED@YAHOO.COM

CONVERSATION

0 comments: