الأحد، 27 سبتمبر، 2015

ثلاث ظواهر مزمنة في جمهوريات آسيا الوسطى/ د. عبدالله المدني

أتذكر أن أحد أساتذتي كلفني ذات مرة بإعداد دراسة حول أكثر وأقل دول الاتحاد السوفيتي السابق نجاحا لجهة تطبيق الديمقراطية وبرامج الإصلاح السياسي. فتوصلت بعد بحث مضن إلى نتيجة مفادها أن أكثر تلك الدول نجاحا هي جمهوريات البلطيق الثلاث (لاتفيا وليتوانيا واستونيا)، وأقلها هي جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية (اوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان وقيرقيزستان وتركمانستان، إضافة إلى آذربيجان). أما الأسباب فتمثلت في وجود إرث ديمقراطي سابق لضمها إلى الإتحاد السوفيتي في حالة مجموعة الدول الأولى وإنعدامه في حالة مجموعة الدول الثانية. واكتشفت على هامش البحث أن الأخيرة لا تعاني فقط من فشل تطبيقها للديمقراطية، وإنما تعاني أيضا من ظاهرتين خطيرتين هما الفساد المستشري في مفاصل الدولة، واحتكار الزعيم الفرد للسلطة. وهما ظاهرتان  عبدتا الطريق أمام بروز ظاهرة ثالثة هي لجوء الزعيم إلى توريث الحكم لأحد أفراد أسرته ولكأنما بلاده مملكة من الممالك الوراثية.
والمعروف أن جمهوريات آسيا الوسطي وقعت، بعد إنسلاخها عن الإتحاد السوفيتي في مطلع التسعينات، في أيدي زعماء أحزابها الشيوعية المحلية الذين نصبوا أنفسهم رؤساء للبلاد وراحوا يستخدمون ما راكموه من نفوذ في زرع أقاربهم في مفاصل السلطة كي يضمنوا الفوز في الانتخابات المتعاقبة ويتحكموا في ثروات الوطن.
نجد تجليات ظاهرة الأسرة القوية الحاكمة والمتحكمة واضحة في أوزبكستان التي لم تعرف زعيما منذ استقلالها سوى الرئيس إسلام كريموف، فيما إبنته غولنارا كريموف تدير مؤسسة اقتصادية خاصة ذات نفوذ يتعدى الداخل إلى الخارج لجهة احتكار البزنس في قطاعات الاتصالات والمرطبات والغذاء والبناء والمنسوجات والطاقة والتعدين، وسط توقعات بإعدادها من قبل والدها لخلافته.
كما نجدها واضحة في جارتها طاجيكستان التي يديرها الرئيس إمام علي رحمانوف منذ عام 1992 بقبضة حديدية على راس نظام ديمقراطي الشكل، ستاليني المضمون بدليل فوزه في عام 2013 بفترة رئاسية رابعة مدتها سبع سنوات في انتخابات لم تشهد منافسة حقيقية وخلت من الدعايات والخيارات الانتخابية، الأمر الذي أفضى إلى تصويت 84% من المقترعين لصالح رحمانوف بوصفه الخيار الوحيد.
وإذا كانت قيرقيزستان تبدو مختلفة بعض الشيء لأن شعبها استطاع أن يطيح أولا بحكومة الرئيس عسكر آكاييف من خلال ثورة السوسن 2005 وأن يوصل زعيم المعارضة كرمان بيك باكاييف إلى السلطة، ثم نجح في عام 2010 في الإطاحة بالأخير بسبب استبداده وفشله في تلبية طموحات الجماهير الحقوقية والمعيشية، فإن نفوذ أبن الرئيس المخلوع مكسيم باكاييف، الذي عينه والده في عام 2009 رئيسا للجهاز المركزي للتنمية والاستثمار والاختراعات فسهل أمامه الطريق للوصول إلى الأموال العامة، لا يزال قويا، وسط عجز الحكومة الجديدة عن إستعادة الأموال العامة التي نهبها هو ووالده، خصوصا وأن تلك الأموال تم تهريبها إلى الخارج، ناهيك عن إقامة مكسيم في بريطانيا وتأثيره من هناك على الأوضاع في داخل بلده.
أما كازاخستان التي تصدرت الأنباء مؤخرا بعد قرار رئيسها نور سلطان نزارباييف (75 عاما)، تعيين إبنته داريغا نزارباييف(52 عاما) في منصب نائب رئيس الوزراء، وذلك في عمل وصفه المراقبون بالخطوة التي تمهد الطريق أمامها لخلافة والدها، فقصتها لا تختلف عن بقية جاراتها إلا في التفاصيل المملة.
فرئيسها نزار باييف الممسك بالسلطة منذ عام 1991، والذي فاز في إبريل الماضي بولاية جديدة مدتها خمسة أعوام، ليس لديه أبناء ذكور لكي يورثهم السلطة. ولهذا السبب كان رهانه على أصهاره في البداية، ولاسيما زوج إبنته الكبرى كاريغا، وهو رجل الأعمال راخات علييف الذي شغل في السابق منصب نائب مدير الأمن الداخلي وسفير كازاخستان في فيينا وكان شريكا لمليادير النفط راشد سارسونوف. لكن هذا الرهان إصطدم بحادثة قيام علييف باختطاف وقتل مصرفيين إثنين في عام 2007، ومن ثمّ الهرب إلى فيينا حيث توفي في فبراير الماضي في داخل سجنه النمساوي أثناء إنتظار محاكمته.
هذه الحادثة وما تردد على هامشها من أحاديث حول مخطط إنقلابي كان يعده الصهر علييف للإنقضاض على السلطة، ربما هي التي جعلت الرئيس نزارباييف يعيد حساباته، فيصرف النظر عن الرهان على صهره الآخر تيمور كوليباييف الرئيس السابق لصندوق الثروة السيادي والهيئة الوطنية للنفط والغاز، والشركة الوطنية للسكك الحديدية والمتزوج من إبنته الوسطى دينارا نزارباييف التي ظهرت مرارا على لائحة فوربس لأصحاب المليارات، ويعيد إبنته كاريغا إلى دائرة الضوء، علما بأن كاريغا كانت نائبة برلمانية منذ عام 2004، ثم اعتزلت السياسة بسبب فضيحة زوجها، وتفرغت لرئاسة جمعية والدها الخيرية حتى عام 2012. وبعد ذلك، عادت إلى البرلمان تحت راية حزب " أوتان نور" القريب من السلطة.
ونأتي أخيرا إلى آذربيجان التي تحقق فيها فعلا توريث السلطة من الرئيس السابق حيدر علييف الذي عمل مسئولا عن المخابرات الروسية (كي جي بي) زمن الاتحاد السوفيتي قبل أنْ يستولي على السلطة في آذربيجان في عام 1993 إلى إبنه الرئيس الحالي إلهام علييف الذي تولى السلطة بمجرد وفاة والده في عام 2003 من خلال انتخابات وصفت بغير النزيهة، وكان قبل ذلك يتولى منصب نائب رئيس شركة سوكار النفطية الحكومية المسئولة عن إحتياطات آذربيجان من النفط والمقدرة  بسبعة مليارات برميل.
د. عبدالله المدني
* باحث ومحاضر أكاديمي في الشأن الآسيوي من البحرين
تاريخ المادة: سبتمبر 2015 
البريد الالكتروني:Elmadani@batelco.com.bh 

عبارة الهامش:
أكثرها نجاحا لجهة الاصلاحات السياسية هي جمهوريات البلطيق الثلاث، وأكثرها إخفاقا هي جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية.

احنا آسفين يا وزيرة الهجرة/ أشرف حلمى

بعد أيام من هجوم بعض الإعلاميين على وزيرة الهجرة الجديدة الدكتورة نبيله مكرم بسبب حلفانها اليمين الدستورى أمام السيد رئيس الجمهورية  بفستان قمه فى الأناقة ولكنه نصف كم بل وإتخذت منه بعض الفضائيات مادة إعلامية لجذب ورفع نسبه المشاهدين لديها نتيجة إفلاسها الإعلامى  دون إعتبار وإحترام لرئاسة الجمهورية التى لم تعلق من بعيد او قريب بخصوص هذا الامر مما يعتبر إهانة للرئاسة نفسها بحجة مخالفة البروتوكول الذى يجهلونه هؤلاء الإعلاميين .
لقد وقفت أمام هذا الموضوع أيام قليلة منتظراََ ردود افعال هؤلاء المنافقون   من مواقفهم المخزية تجاة أولاََ رفض علاء عبدالصادق مدير كرة النادى الأهلى استلام ميداليات كأس مصر ومصافحة مرتضى منصور رئيس نادى الزمالك فى وجود كبير الياوران مندوب رئيس الجمهورية وخالد عبدالعزيز وزير الشباب والرياضة والذى يعبر عن عدم إحترام علاء عبد الصادق للشعب المصرى عامة ورئيس الجمهورية ومجلس الوزراء خاصة وثانياََ مواقفهم المشينة نحو الإرهاب السلفى الذى يتعرض له أقباط العامرية الان على مسمع ومرأى الجميع وتغاضيهم عن  بعض الإعلاميين الذين باعوا أنفسهم للشيطان مقابل رشاوى الدول العربية فى صورة رحلات وهدايا لهم مؤخراََ للتنازل عن مبادئهم وأخلاقهم الإعلامية .
مما لاشك فيه عندما خرجت سيادة الوزيرة الدكتورة نبيلة مكرم وزيرة الهجرة وشئون المصريين بالخارج عن صمتها للرد على هذه الهجمة الشرسة قائلة أنها لم تكن  تتوقع  أن يتم اختيارها وزيرة فى الحكومة وعلمت باختيارها للمنصب الوزارى يوم الخميس مساء وهو ما تطلب منها العودة من عملها من دبى فجر يوم الجمعة الذى أدت فيه اليمين أنما أرادت الوزيرة  توجيه عدة رسائل الى دول الغرب من خلال فستانها الأنيق منها
١ - تغيير نظرة دول العالم الى مصر من خلال الملابس العصرية الأنيقة للوزيرة والتى تتماشى مع الموضة العالمية طبقاََ للبروتوكول الدولى  خاصة وان منصب وزير الهجرة والمسئول عن شئون المصريين بالخارج والمتواجدين معظمهم فى الدول الغربية يتطلب نوعية جديرة بالإحترام والتقدير ذو سلوك حضارى فى التعامل معهم كما تتعامل معهم المصالح الحكومية الغربية المتقدمة .
٢ - خروج مصر من قمم الحكم الاخوانى المتخلف الذى ضرب مصر وجعل من وزارائها وكبار مسئوليها إضحوكة فى أفواة الغربيين نتيجة تصرفائهم وآدائهم وملابسهم وخاصة عند مقابلتهم بعضهم البعض ورفض بعض وزراء الجانب المصرى السلام بالايادى على الجنس الاخر .
وأخيراََ نتمنى التوفيق للحكومة الجديدة تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى وخاصة الوزيرة النبيلة نبيلة مكرم التى نفتخر بها فى بلاد المهجر متآسفين لها لما تعرضت له من إنتقاد بعض القله الإعلامية الحاقدة بسبب تفاهاتهم ونظراتهم الإعلامية المتخلفة دون الرجوع والنظر الى سيدات محترمات رؤساء دول وحكومات امثال رئيسة الارجنتين كريستينا كيرشنر التى أدت اليمين الدستورية امام الكونجرس الأرجنتينى للمرة الثانية بفستان نصف كم ايضاََ فى حضور العديد من رؤساء دول اميركا اللاتينية الاخرى دون نقد من أحد , مرة أخرى احنا اسفين ياسيادة الوزيرة   فإن الذين هاجموكى هم للأسف بعض نجوم إعلامنا المصرى فى الزمن الردئ .

الأربعاء، 23 سبتمبر، 2015

قضايا لغويّة،مسائل نحويّة،ضرائر شعريّة لعلّكم تتذكرون 1/ كريم مرزة الأسدي

الحلقة الأولى  

ليست بمعلومات  فقط ، كما يتوهّم بعض القرّاء الكرام ، وإنّما تبين مدى دقّة لغتنا الجميلة وعبقريتها ، وتوسع إدراك عقولنا ، وتزيد نباهة أذهاننا ، والعلوم متداخلة المسارب ، متكاملة في رقيها وتطورها !!   
1 - الفصل بين المضاف والمضاف إليه.  
2 -  حذف حركة الإعراب وتسكين المتحرك .
3 - تحريك الساكن .
4 - تخفيف الحرف المشدًد.
  5  - تشديد الحرف  المخفف. 

الْمُقَدَّمَةُ : مَا بَيْنَ زَيْغِ الإعْرَابِ وقُبْحِ الزّحَافِ والضَّرَائِرِ الشِّعْرِيّةِ :    
  يقول ابن جني (ت 392 هـ ) في (خصائصه) :" اعلم أن البيت إذا تجاذبه أمران : زَيْغ الإعراب وقُبْح الزحاف فإنّ الجفاةَ الفصحاءَ لا يَحْفلون بقُبح الزّحاف إذا أدى إلى صحّة الإعراب ... فإن أمنتَ كَسْر البيت اجتنبتَ ضَعْفَ الإعراب وإن أشفقتَ من كسره ألبتَّة دخلتَ تحت كسر الإعراب . " (1)
من هنا نستطيع أن نتفهم بموضوعية تامة أنّ الموازنة صعبة بين الزيغ والقبح  ، تحتاج إلى مهارة لغوية ونحوية وعروضية وفكرية وجمالية عالية  ، فالحكم على الشعر والشاعر ليس بهينٍ ، وإن تهاون من لا يعرف أسرار وخفايا الإبداع ، بل الإلهام الفني الشعري ، وعليك أن تميّز بين من يتذوق الشعر العربي ، وهم غالبية العرب ، ومعظم ناسهم ، وبين من يحكم على صحته لغوياً وعروضياً  وفنياً ، وأكرر ما قلت ذات يوم :
الشعر ليس بمفرداته ومضمونه ومعناه وصوره فقط ،  بل بموسيقاه وانسيابه وأشجانه وألحانه ، تقرأه بنغماته الشجيه الصادرة من أعماق قلوبٍ متأججة شاعرة لتطرب إليه ،  وتتغنى به  ، فهو ليس مجموعة لحبات ٍمن العنب متكتلة متراكمة بترتيبٍ معين  ، وتنظيم دقيق لتمنحك صوراً جميلة  ،  وتشكيلاتٍ بديعة لمعان ٍعميقة على أحسن الأحوال ... وإنما هو تحول نوعي تام من حالٍ الى حال  ،  ليصبح في صيرورة جديدة ... كأس مُدامةٍ وكرعة راح ٍ " وإنَ في الخمر معنى ليس في العنب ِ" .
يقول أبو العباس الناشىء الأكبر عن شعره :
يتحيرُ الشعراءُ إنْ سمعوا بهِ ***في حُسن ِ صنعتهِ وفي تأليفــهِ
شجرٌ بدا للعين ِحُســـنُ نباتهِ ***ونأى عن الأيدي جنى مقطوفهِ
وللشعر ركنان أساسيان لابدَّ منهما في كلّ شعر ٍ ،  وهما النظم الجيد ونعني به الشكل والوزن أولاً (ويخضع كما هو معلوم لعلوم النحو والصرف والبلاغة والعروض )  ،  ثم المحتوى الجميل أو المضمون الذي ينفذ إلى أعماق وجدانك  ،  وتنتشي به نفسك دون أن تعرف سره  ، وتفقه كنهه ، فهو الشعاع الغامض المنبعث من النفس الشاعرة .
أمّا الضَّرَائِرُ الشِّعْرِيّةُ فهي مخالفات لغوية ، قد يلجأ إليها الشاعر مراعاة للقواعد العروضية وأحكامها،لاستقامة الوزن  ولا تُعدّ عيباً ، ولا خطأً ، إذا كانت وفق ما تعارف عليه عباقرة العرب من الشعراء والنقاد والعروضيين القدماء  ، وقبلوا به ، سواء كان للشاعر فيه مندوحة أم لا ،والحقيقة  أول من شرع  بأحكام الضرورة  سيبويه (188 هـ ) في كتابه (لكتاب) دون تعريف أو تنظيم ، ووضعها في باب (ما يحتمل الشعر ) ، واستند على أستاذه الخليل في بعض أحكامه ، ولما جاء ابن فارس ( 395 هـ) أجاز الضرورات الشعرية على أن لا تخل بالإعراب ، وأول من ألف كتاب (ضرورة الشعر) أبو سعيد السيرافي (ت 369 هـ)  ، وتطرق إلى تسعة أوجه منها ،ولكن أهم كتاب في هذا المجال هو(ضرائر الشعر ) لابن عصفور (ت 669  )، حيث جمع فيه جهود كل من سبقه ، مهما يكن تصنف على ثلاثة أسس  ، وهي: ضرورة الزيادة ، وضرورة الحذف ، وضرورة التغيير ،  وكلّ ما يصحّ أن يأتي بالنثر ، لا يعدّ من الضرورات في الشعر ، لأن الناثر لا يجوز أن يلجأ للضرورة ، لعدم إلزامه بالإيقاع الوزني .
ونحن الآن أحوج للضرائر الشعرية ، وربما أحياناً في النصوص النثرية ، وخصوصاً قصيدة النثر ، ولكن شرط عدم اللحن ، وتوليد ألفاظ  عديدة  لمعنى واحد ، وبالتالي تتشتت اللغة ، ويصبح لكل مجموعة ، أو قبيلة ، أو قطر لغتهم الخاصة بهم ، ومن المعروف والثابت أن العرب - إلى يومنا هذا -  أمة تؤمن بالأصالة نسباً و حسباً ،  تتشبث بالقبيلة والعشيرة ، والمنطقة ، وتتعدى ذلك للحسب وجاهة وأعياناً وثراءً ، وغير ذلك من صغائر الأمور، فمن باب أولى وأجدى وأبقى وأخلد التعلق بأصالة اللغة التي توحّدنا  ، وتشدّ أزرنا ، وتقرّبنا من بعضنا، بعد الويلات والنكبات والنعرات !! ، وإذا عجز قياس البصريين ، فعلينا بالأصيل العريق من الشاذ من مدرسة الكوفيين ، وفي لغتنا الجميلة الخالدة سعة في الأقوال والمعاني والفكر والعقل والخيال ...!! وإليك ما يقول أبو الفتح عثمان ابن جني ( 322 - 392 هـ / 933 - 1000م )  في (خصائصه ) ، وكثيراً ما يلجأ إلى أقوال أستاذه أبي علي الفارسي  (  900-987م /  288-377 هـ ) ، : اقرأ ابن جني بخصائصه :   " فإذا جاز هذا للعرب عن غير حصر ولا ضرورة قول ، كان استعمال الضرورة في الشعر للمولدين أسهل وهم فيه أعذر ، فأما ما يأتى عن العرب لحنا فلا نعذر في مثله مولدا... وقد نص أبو عثمان عليه فقال ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب ...  
وكلما كثرت الألفاظ على المعنى الواحد كان ذلك اولى بأن تكون لغات لجماعات اجتمعت لإنسان واحد من هنا ومن هنا ورويت عن الأصمعي قال اختلف رجلان في الصقر فقال أحدهما الصقر بالصاد وقال الآخر السقر بالسين فتراضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما هما فيه فقال لا أقول كما قلتا إنما هو الزقر أفلا ترى إلى كل واحد من الثلاثة كيف أفاد في هذه الحال إلى لغته لغتين أخريين معها وهكذا تتداخل اللغات " (2) 
تكفينا هذه المقدمة، وإليك ما يتيسر لنا من المسائل اللغوية والضرائر الشعرية  
1 - الفصل بين المضاف والمضاف إليه : 
 أورد عبد القادر البغدادي في ( خزانة أدبه) قول الشاعر عبيد الله بن زياد بن سميّة من (الرمل) :
كم بجودٍ مقرفٍ نال العلا *** وكريمٍ بخله قد وضَعَهْ (3)
كما ترى قد فصل الشاعر بين المضاف (كم) ، والمضاف إليه (مقرفٍ) بالجار والمجرور (بجودٍ ) ، وهذا لا يجوز بالنثر ، وإن ورد بالقرآن الكريم على إحدى القراءات كما سنرى  ، فهنا يعتبر  ضرورة شعرية نحوية لاستقامة الوزن ، فلا يحقُّ لنا مثلا أن نقول له : لماذا لا تشكل صدر  البيت كالآتي لتتخلص من الضرورة : (كم قبيحٍ جودهُ نال العلا) ؟!!  ببساطة الشاعر لحظة الإبداع تأتي القصيدة حسب إلهامه ، وذخيرته الثقافية في عقليه الباطن والظاهر .
ويذكر كاتب هذه السطور في كتابه ( نشأة النحو...) : ووافق الأخفش الأوسط البصري الكوفيين في إجازته الفصل بين المضاف والمضاف إليه ، وأورد كاتب السطور الشاهد التالي لابن يعيش في (مفصله) ليثبت موقفه  :
فزججتها بمزجةٍ *** زجَّ القلوصَ أبي مزادهْ 
المصدر (زجّ) مضاف ، (أبي مزاده) مضاف إليه ، والفاصل بينهما المفعول به (القلوصَ) ، وذلك ضعيف جداً ، إذ لا يجيز البصريون ، ولا يصح عند إمامهم (سيبويه ) إلا الفصل بظرف .(4).
والأخفش البصري ، وأعني الأوسط ،وهو  سعيد بن مسعدة المتوفي 215 هـ  - يقال جامل  أستاذه شيخ الكوفيين الكسائي ، لمنزلته في دار الخلافة ، ولشخصيته !! - المهم لم يخرج  هذا الأخفش على أستاذه سيبويه ، ومدرسته البصرية بهذا فقط ، بل بالعديد  من المسائل حتى بلغت مواضع الخلاف مع أصحابه أكثر من أربعة وثلاثين ، (5) وبعض الباحثين يعدونه هو المؤسس للمدرسة البغدادية في النحو ،  ولهذا أخذ الرجل الأخفش بقراءة ابن عامر( سورة الأنعام ، آية 137)  " وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ" فنصب ( الأولادَ) ، وخفض ( شركاءِ) ، وهذا فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول . (6) ، والأصل : قَتْلَ شُرَكَائِهُمْ أَوْلَادَهُمْ . و ( أولادَ) مفعول به للمصدر قُتْلَ . 
و المتنبي سار على مذهب قومه الكوفيين ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به (الرياضَ) في بيته :
حملتُ إليه من لساني حديقةً *** سقاها الحجى سقيَ الرياضَ السحائبِ
ربما تجد الأمر غريباً ، ولكن هذا المتنبي ، ويعني (سقاها الحجى سقيَ السحائبِ الرياضَ )
والحق أشار من بعد ابن مالك في ألفيته إلى ما ذهبنا إليه قائلاً :
فصلَ مضافٍ شبهِ فعلٍ ما نصبْ *** مفعولاً أو ظرفاً  أجِزْ ، ولمْ يُعبْ 
قصل يمينٍ ...
إذن أجاز ابن مالك أن يفصل اختيارا وليس ضرورة ، بين المضاف الذي هو شبه الفعل ، والمراد المصدر و اسم الفاعل ، وبين المضاف إليه بما نصبه المضاف ، من مفعول به ، أو ظرف ، أو شبهه. وتعدى ذلك قائلاً : " ولم يعبْ فصلَ يمين " ، هذا أيضاً على مذهب الكوفيين ، حكى الكسائي " هذا غلامٌ - واللهِ - زيدٍ " (7)
2 -  حذف حركة الإعراب وتسكين المتحرك :
 أنشدوا لامرئ القيس :
نعلوهم بالبيض مسنونةً***حتى يروا كالخشـــب الشائل
حلت لي الخمر وكنت امرأً ** من شربها في شغلٍ شـاغل
فاليوم أشربْ غير مستحقبٍ **** إثماً مـن الله ولا واغل
علينا من امرئ القيس بيته الأخير ، ومثله للفرزدق :
رحت وفي رجليك ما فيهما *** وقد بداهنـْك من المئزر
 أبيات امرئ القيس من البحر السريع ، وعليه تفعيلات البحر (مستفعلن مستفعلن فاعلن ) ، وبهذا يجب عروضياً أن تكون الباء في (أشربْ) ساكنة ليستقيم الوزن ، ولكن عندما يقول (فاليوم أشربُ) ، فالباء من الناحية الإعرابية ، تكون مضمومة ، فيختل الوزن ويسقط البيت تماما ، ومن هنا يكون الشاعرأمام خيارين أحلاهما مرّ ، أمّا يضحي بعربيته ، ويلجأ إلى اللحن ، أو يسقط البيت إلى الهاوية ، وبالتالي القصيدة كلّها، لأن القصيدة وحدة عضوية متكاملة مترابطة  نحو وصرفاً ووزناً ، شكلاً ومضمونا ، والرجل قائد لواء الشعراء ، فضجّ اللغويون والنحويون والعروضيون ، وحاولوا إيجاد مخرجاً لهذا الخلل النحوي العروضي ، وهو أقبح الضرورات على الإطلاق ، فزعم قوم أن الرواية الصحيحة لبيت امرئ القيس الأخير : اليوم أسقى...، وبذلك كان المبرد يقول، وقال الآخرون : بل خاطب نفسه كما يخاطب غيره أمراً، فقال : فاليوم اشربْ ، وقال سيبويه : وقد يسكن بعضهم في الشعر ، ولجأ بعضهم إلى القراءة السبعية ، ومن هذه القراءات ، قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري ، فقد سكّن راء (يأمرْكم) في الآيتين الكريمتين - وغيرهما -:   
" وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً " - البقرة : 67 -
"إنما يأمرْكم بالسوء والفحشاء"  - البقرة : 169 -  (8)
وفي بيت الفرزدق من السريع  ( وقد بدا هنـْكَ ...) ، لا يستقيم الوزن إلاً بتسكين النون  ضرورة ،  ، لذا وجدوا للسيد الفرزدق مخرجاً لطيفاً خلقاً ووزناً ونحواً ، وقالوا الرجل قال : (وقد بدا ذاك من المئزر) ، فعوضوا عن تسكين النون بألف المد ، وهذه الـ (ذاك) ، كناية عن الهن ، حجارة بعصفوريَن !!
 الشعراء الجاهليون حجّة على لغتنا بعد القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية الشريفة ، فنستطرد مع  امرئ القيس ، إذ يقول قبل موته  :     
ربَّ خطبةٍ مسْحنْفِرة *** وطعنـةٍ مثْعنْجِـرة
وجعبــــةٍ متحبّـرة **** تُدفنْ غداً بأنقِــرة
وأمامك (تدفن) وقد سكّنها الشاعر، والفعل المضارع لم يتعرض لعوامل الجزم ، وأدواتها ، يذهب الشيخ الكوني إلى أنّ " هذا السكون ليس سكون اعراب ، وإنما هو سكون للتخفيف من توالي الحركات ، لأنه إذا توالت الحركات ربما فيه نوع من الثقل على اللسان ..."  (9) ، فتسكينها ضبط لحركات اللسان ، وحركات الحروف ، وورد في القرآن الكريم شاهد للتبرير " وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ " - يوسف : 90 - ، من وجهة نظري أن الشاعر لم يفكر بالحركات الأربع المتتالية ما بين الساكنين الأصليين ( تُدْفنُ غَدَاً /ه////ه) ، فاللفظ المتكاوس في القافية معروف ، ويتشكل من أربع حركات بين ساكنين ، فالشاعر الملك الضليل سكّن نون (تدْفنْ) لاستقامة الوزن ضرورةً شعرية . وهنالك من يجد العذر للشاعر ، فيجعل من تسكين الكلمة تجاوزاً للإعراب  قد ورد في القرآن الكريم " فَتُوبُوا إِلَى بَارِئْكُمْ  "  - البقرة : 54-  ، بإسكان الهمزة على قراءة أبي عمرو بن العلاء،وهنالك من يعتبرها لغة بعض القبائل،أو أفخاذها ، كما في الشاهد : 
  فَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِرٌ عَنْ وِرَاثَةٍ  *** أَبَى اللهُ أَنْ أَسْمُوْ بِأُمٍّ وَلاَ أَبِ
كما ترى قد سكّن الشاعر كلمة (آسموْ) ، وحقّها حركة الفتح ، لأنها منصوبة بـ (أنْ)، وكذلك قول جرير ، وقد سكّن فاء (تعرفْكم) في البيت الآتي : 
 سِيرُوا بَنِي العَمِّ فَالأَهْوَازُ مَوْعِدُكُمْ ***  وَنَهْرُ تِبْرَى فَلاَ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ     
وهذا قول الأعشى من المتقارب ، وقد مدح قيس بن معدى كرب :
إلى المرء قيس أطيل السرى*** وآخذ من كل حى عصم 
 و (عصمْ) أصلها عصماً، ووقف الشاعرعلى الميم ساكناً ، وهي لغة ربيعة ، فإنهم يجيزون تسكين المنصوب المنون في الوقف . (10)
ومن الرمل :
 يا أبا الاسود لمْ خليتني ***  لهموم طارقات وذكر 
على أنه سكن الميم من ( لم ) إجراء للوصل مجرى الوقف  ، و (لم) معناه لاجل أي شئ.. خليتني 
ومن الوافر لحسان بن ثابت :
 قالت سليمى اشترْ لنا سويقا 
يعقب الأستربادي في (شرحه لشافية ابن الحاجب ) على هذا الصدر : إن الشاعر سكن الراء، وهى عين الفعل (شرى)، وكان حقها الكسر، كأنه توهم أنها لام الفعل فسكن الامر رديا يا فتى، وهذه لغة رديئة، وإنما هو غلط . (11)   
وهذا أبو العلاء المعري سكّن الحرف لغوياً لا نحوياً :   
وقد يقالُ عثار الرجل ِ إن عثرت ***  ولا يقالُ عثار الرَجْل ِ إن عثرا
فقد سكن معرينا الجيم في (الرَجُـل ) مع انها في الأصل محرّكة ، وما ذلك إلا ضرورة !
3 - تحريك الساكن :
وهبت الريح بمورٍ هبّا *** تترك ما أبقى الدبا سبسبّا
  يورد الرضي  في شرح شافيته " والاستشهاد بهذه الابيات في قوله (جدبا والقصبا والتهبا واخصبا وسبسبا) حيث ضعف اواخر ها للوقف ثم حركها ضرورة " (12)  
ويقول زياد بن الأعجم محتجاً على رجل من بني عنزه قد سبّه ، والشاعر المسكين لم يضربه ، وراجزاً :
     عَجِبْتُ وَالدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ *** مِنْ عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أَضْرِبُهْ 
  البيت من شواهد سيبويه ، والاستشهاد به  في قوله (لم اضربه) حيث نقل حركة الهاء الى الباء ليكون ابين لها في الوقف ، وذلك من قبيل ان الهاء الساكنة خفية ، فإذا وقف عليها بالسكون وقبلها ساكن كان ذلك اخفى لها ، قال أبو سعيد السيرافى: (انما اختاروا تحريك ما قبل الهاء في الوقف إذا كان ساكنا لانهم إذا وقفوا اسكنوا الهاء وما قبلها ساكن فيجتمع ساكنان والهاء خفية ولا تبين إذا كانت ساكنة وقبلها حرف ساكن فحركوا ما قبلها بالقاء حركتها على ما قبلها وبعضهم - وهم بنو عدى - لما اجتمع الساكنان في الوقف وارادوا ان يحركوا ما قبل الهاء لبيان الهاء حركه بالكسر كما يكسر الحرف الاول لاجتماع الساكنين في نحو قولنا: لم يقم الرجل (13)
نرجع ، إذن  (لمْ أضربُهْ) ، من المفترض الباء ساكنة ، لأن الفعل المضارع مجزوم بـ (لم) ،  ولكن أعطيت حركة الهاء ، وهي الضمة ، وسكنت الهاء ،فالعرب تقف على ساكن ، ولو سكنت الهاء ، والباء قبلها ساكنة ، لأُبتلِعَت الهاء ، لأنها حرف خفي !!  
 وإليك هذا البيت من البسيط ، وقد حرّك الشاعر لام (حلـْم)الساكنة ، فصيّرها (حلـُم) :  
تباً لطالب دنياً لا بقاء َ لها *** كأنما هيَ في تصريفها حُـلُـمُ
وقد يُحرّك ساكن في الروي ، إذ يتم بمجيء فعل مضارع مجزوم ، فيحرّك بالكسرة ضرورة  بدلاً من السكون ، والكسرة أقرب الحركات إلى السكون  ، كما في صدر مطلع معلقة زهير بن أبي سلمى :  
أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَـمْ (تَكَـلَّمِ) ***  بِـحَوْمانَة الـدَّرَّاجِ فَالْـمُتَثَلَّـم
أو أن يكون الفعل أساساً ساكن كفعل الأمر ، فيحول الشاعر السكون إلى الكسر  وهذا أحمد شوقي في قصيدة نهج البردة يقول :
وقيل : كلُّ نبيٍّ عند رتبتهِ *** ويا محمدُ هذا العرشُ فاستلمِ
وإذا ألتقى الساكنان ، أينما كان موقعهما ، تتحول إحدى حركتي السكون ،وغالباً الأولى إلى حركة الكسر ، وهذا كثير في الشعر ، وخاصة عندما تأتي تاء التأنيث الساكن ، أو فعل مضارع مجزوم قبل اسم معرّف بالألف واللام ، يقول الجواهري :
أريدُ أكفاً موجعاتٍ خفيفة ً*** عليها - متى ما (شاءتِ ) - اللطماتُ
كما ترى حركة تاء (شاءتِ) الكسر ، وحقها السكون ، لأنها تاء التأنيث الساكنة ، ولكن جاءت بعدها كلمة (اللطمات) ، المعرفة بالألف واللام ، ألف الوصل لا تنطق ، اللام ساكنة ، فيلتقي الساكنان ، فتحولت حركة سكون التاء إلى الكسرة . 
و قد تحرّك ميم الجماعة الساكنة (همْ) بالضم أو الكسر ، حسب الحركة التي قبلها - ولا يجوز أن تأتي الفتحة - وتشبع الحركتان ، كقول الفرزدق  في مدح الإمام السجّاد ، وقد ضمَّ  ميم الجمع في (كلّهُمُ) ، وأشبع الضم ، لتشكيل تفعيلة (فعِلن) ، فالبحر من البسيط  :  
هذا ابن خير عباد الله (كلّهُمُ )***هذا التقي النقي الطاهر العلمُ
والمتنبي في رثاء جدّته ، يكسر ميم(لأنفهمِ) ، ويشبع الكسرة ، لتتشكل التفعيلة (مفاعيلن) ، فالقصيدة من الطويل :
لئن لذ ّ يوم الشامتين بيومها ***  فقد ولدت مني لأنفهـِم ِ رغما

4 - تخفيف الحرف المشدًد  :  
أمثلة على تخفيف الحرف المشدد ،  قول الشاعر من المتقارب :  

فقالوا القصاصُ وكان (التقاصُ) *** حقـّاً وعدلاً على المسلمينا
فقالُل قصاصُ وكانتْ تقاصو  ** حقـْقن وعدلن علَلْ مسْ لميْنا
فعولن  فعولُ  فعولن  فعولن *** عولن  فعولن فعولن  فعولن
فقد خففت الصاد المشدّدة ، وأصل الكلمة (التّقاصّ ُ) ، فالصاد مشدّدة  تعني حرفين ، أولهما صاد ساكنة ، وثانيهما صاد محرّكة ، وإذا التفتت إلى الحرف الذي يسبق الصاد الساكنة ، تجده ألف ال(فعولُ) و(عولن) من جوازات المتقارب،أين الشاهد، ولماذا قطّعت البيت ؟! الشاهد كلمة ( التقاصُ) ، مد الساكن ، ولا يجوز في حشو الشعر وأعاريضه - عدا القوافي، إذ مرّت علينا القافية المقيدة المردفة  -  التقاء ساكنين مطلقاُ إلاّ في حالتين فقط ، نهاية أعاريض البحر المتقارب ، ومجزوء الكامل ، ففي حالة البيت السابق الذي قطّعناه ، يمكن لـ (تقاصو) أن تسكن الصاد ، فتصبح (تقاصْ - فعولْ - //ه ه) ، وإذا لم يخفف الحرف المشدد في نهاية العروض ، يجب أن ينقل الحرف المحرك من الشدّة  إلى عجز البيت .علل الجوهري قائلاً : " كأنه نوى الوقوف على الجزء وإلا فالجمع بين ساكنين لم يسمع به في  حشو بيت ." (14) ، ويعقب ابن رشيق صاحب (العمدة) : "إلا أن سيبويه قد أنشد: 
كأنه بعد كلال الزاجر *** و(مسْحه) مر عقاب كاسر
بإسكان الحاء وإدغامها في الهاء والسين قبلها ساكنة." (15) وقد خفّف المرقِش الأصغر شدّة حرف اللام في كلمة (ضالّة) ، وأحال الكلمة إلى (ضالَة) في البيت الآتي : 
رمتْكَ ابنةُ البكري عن فرْع ضالَةٍ *** وهنَّ بنا خوصٌ يخلْنَ نعائما
وكثيراً ما يستشهد المفسرون ببيت امرئ القيس (من المتقارب) ، في موضوع القسم  قائلاً : 
فلا وأبيكِ ابْنَةَ العامريِّ ***  لا يدَّعيْ القومُ أنِّي أَفِرْ
ونحن نستشهد به في موضوعنا ، ولكن للتخفيف في القواقي ، فكلمة ( أفِرْ) أصلها (أَفِرّ) لكنه خفف الشاعر  للضرورة. ، ويكثر تخفيف الحرف المشدّد في روي القوافي ، وهذا بيت آخر لامرئ القيس  نفسه  :
يُعل ّ به بردُ أنيابها *** إذا النجم وسط السماء استقلْ
فقد خفف شدّة روي الفعل ( استقلَّ) إلى (استقلْ).

 5  - تشديد الحرف  المخفف :
يذكر رضي الدين الأستراباذي في ( شرحه لشافية ابن الحاجب ) : " فإنه من المشهور أن من جملة المعدود في الضرورات تشديد المخفف، وأصله الوقف، ثم للشاعر أن يجرى الوصل محرى الوقف، بل غير سيبويه لا يجيز التشديد في المنصوب إلا في الشعر..." (16) ، ويورد هذا الرضي هذه الأبيات التالية من الرجز لرؤبة بن العجاج - وينسبها ابن عصفور إلى ربيعة بن صبيح  ، والصحيح للرؤبة ، موجودة في ملحقات ديوانه :
إني لأرجـــو  أن أرى جدَبّا 
 في عامكم ذا بعد ما أخصبّا
 إذا الدبا فـــوق المتون دبّـا 
 وهبّـــت الريح بمــــور هبّا 
تترك مـــا أبقى الدبا سبسبّا 
أو كالحريق وافق القصـــبّا 
والتبن والحلفـــاء فالتهبّـــا 
وجدبا أصله جدبا بإسكان الدال، وإنما حركها لالتقاء الساكنين حين شدد الباء، وإنما حركها بالفتح لأنها أقرب الحركات إليه وقال  ابن عصفورفي كتاب( الضرائر) : " ومنها تضعيف الاخر في الوصل إجراء له مجرى الوقف، نحو قول ربيعة بن صبيح (من الرجز) 
 تترك ما أبقى الدبا سبسبّا * الأبيات فشدد آخر سبسبّا والقصبّا والتهبًا في الوصل ضرورة، وكأنه شدد وهو ينوى الوقف على الباء نفسها، ثم وصل القافية بالألف فاجتمع له ساكنان فحرك الباء وأبقى التضعيف،لأنه لم يعتد بالحركة لكونها عارضة، بل أجري الوصل مجرى الوقف.(17)  وكما مرَّ عليك أبيات رؤبة من مشطور الرجز ،( مستفعلن مستفعلن مستفعلن) ، وجوازات تفعيلة (مستفعلن الرجزية ، وفي المشطور كما مرّ علينا الضرب هو العروض نفسها ، وفي الأبيات المذكورة الضرب إما (فعولن) في معظم الأبيات ، أو (مفعولن) ، وفي كلتا الحالتين القافية فيها متواترة (ه/ه) ، فالباء يجب أن تكون مشدّدة ، ومن هنا يلجأ الشاعر لضرورة تشديد الحرف أو تثقيله .  وإليك أمثلة أخرى :    
و قائلةٍ والدمّ ُيصبغُ دمعها *** رويدكَ يابنَ الست عشرة كم تسري؟

فكلمة (الدَّمّ ُ) مشددة الميم لضرورة الشعر ، والأصل(الدَّمُ) ، ميمها غير مشدّدة. والبيت الآتي أيضاً (دمّه) مشدّدا:
أهان دمّك فرغا بعد عزته *** ياعمرو بغيك إصرار على الحسد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (الخصائص ) : أبو الفتح عثمان بن جني - تحقيق محمد علي النجار  - ج 1 -( )  عالم الكتب - بيروت .
(2)  م . ن . ( )  
(3) (خزانة الأدب ) : عبد القادر البغدادي --( )    الوراق - الموسوعة الشاملة .
 وراجع (مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ) : الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة -) الناشر : موقع الجامعة على الإنترنت .
http://www.iu.edu.sa/Magazine
(4) (نشأة النحو العربي ...)  : كريم مرزة الاسدي - ( ) - دار الحصاد - 2003 م - دمشق .
(5) م . ن . ( )  
 (6) ابن يعيش : ( شرح   المفصل )ج 3- ( ) الطباعة المنبرية - مصر - مكتبة المتنبي - القاهرة . زججتها : طعنتها ، القلوص : الناقة الشابة .
(7) راجع : شرح ابن عقيل ج2 ( ) ، ( نشأة النحو ...) ( ) ، م. س .
(8) (النشر: ( ) )، (الإتحاف: ( )  ) ، موقع جمهرة العلوم .
تسكين المعرب من الأفعال والأسماء في الوصل في القراءات السبعية
http://www.jamharah.net/showthread.php?t=15575
(9) (باب الضرورات الشعرية) : لقاء مع الشيخ اللغوي عبد الرحمن بن عوف كوني ( )  - بشبكة الإمام الآجريّ . او منتديات كل السلفيين
(10) (شرح شافية ابن الحاجب) : رضي الدين الاستربادي - ( )  عن دار الكتب العلمية - بيروت .
(11)    م . ن . ( )
-  م . ن . ( ) (12)
(13)   م. ن . ( ) 
(14) ( العمدة في محاسن الشعر وآدابه ) : ابن  رشيق القيرواني -( ) - الوراق - الموسوعة الشاملة .
(15) م. ن. ()
(16) (شرح شافية ابن الحاجب ) :   رضي الدين الأستراباذي - ج 4 -() 
- موقع الشيعة .
(17) راجع م. س . ( )

رائعة فؤاد نعمان الخوري: في حَضرة البيّاتي


البارحة كرمت لجنة البياتي الشاعر الكبير فؤاد نعمان الخوري، وعندما اعتلى المسرح ليلقي كلمته، تسمرت الأعين به وبإلقائه الرائع مما أجبر الحناجر على الهتاف. شعره كان أعلى من الثريا بأميال وأميال، أنه ابن تراب لبنان النقي الذي أنبت العباقرة، وهذا ما قال:

اشكر رابطة عبد الوهاب البيّاتي للشعر والثقافة على منحي جائزة البياتي للعام 2015، وهذه قصيدةٌ القيتها في المناسبة:

يا واقفاً في حَضرةِ البيّاتي
متجلبباً بعباءة الكلماتِ،
كحِّل حروفَك بالنجوم، فإنّهُ
قمرُ القريضِ وسيّدُ الساحاتِ...
علَمٌ لهُ في كلّ قلبٍ خفقةٌ،
أينَ العُلى من خفقة الراياتِ؟
واخلعْ نعالَك إن مررتَ بقُربِهِ:
ما الفرقُ بين قصيدةٍ وصلاةِ؟
إن جئتُ متكئاً على ماضي الهوى،
سُكناي في حُلمِ الزمان الآتي؛
أستشرفُ الأيام، أجلُو سرّها،
أمشي اليها واثِق الخطواتِ...
وكما رُبى لبنان أجنحةُ المدى،
بغدادُ وشمُ الريح في العتباتِ؛
أهلُ العراق أحبّةٌ، وأنا هنا
جسرُ الندى من أرزةٍ لفُراتِ...
آتٍ،وبي فرحٌ بلُقيا نُخبةٍ
تختالُ بالأبياتِ والنغماتِ...
مَن ناحتٌ صخرَ الكلام بريشةٍ،
مقطوفةٍ من مُهجة النحّاتِ؟
شِعرُ "السماويّ" الرقيقُ قلادتي،
والروحُ "جزراويّة" القسَماتِ؛
أقسمتُ لن أنسى ورُود وفائكُم
ما دام نبضٌ في وريدِ حياتي!

الأحد، 20 سبتمبر، 2015

الشعب يصنع ثورته تحت الشمس/ شوقي مسلماني

هوامش كتبتها في مرحلة "الربيع العربي" الأولى، ولا أعرف، وبعد ما انتهى إليه هذا "الربيع"، هل كنت في الحق أم كنت في الباطل؟. وها أنا الآن أعيد نشرها تباعاً مرّة ثانية بمناسبة تظاهرة بيروت ضدّ العفن:  
(1) 
الشعب يريد الكلّ للواحد والواحد للكلّ، 
يريد أن يعرف القاتل الذي لا يشير إليه أحد، 
يريد استعادة زمام المبادرة. 
يريد أن يعرف مَن يريد إسقاط النظام في فنزويللا، 
وإسقاطَ الشعب في البحرين؟. 
يصدّق ويكيليكس ويكره الغدر والخيانة. 
الشعب الغاضب يغلي والحاكم الفاسد يتبخّر. 
يريد أن يقرأ أسماء بعينها على لائحة سوداء. 
يريد إسقاط النفاق الطائفي وشركاه، 
يريد حماية الطفولة، 
يريد إسقاط تمثال الصنم.  
يريد تطبيق قانون من أين لك هذا يا هذا؟. 
ألاّ يتحوّل الهواء إلى مكبّ للإشعاعات النوويّة. 
"لا إكراه في الدين". 
هل نهوض من دون نهضة؟. 
الشعبُ هو على طريق الوصول.  
هرب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي.  
تنحّى الرئيس المصري محمّد حسني مبارك. 
الشعب يريد إسقاط أنظمة الفساد. 
يريد أن يصنع ثورته تحت الشمس، 
هو البغتة، انتهتْ آخرُ مهلة.  
يُمهل ولا يُهمل. 
يريد أن يكون ذاته، 
يكره الذين يأسرونه في كيانات، 
مجرم من يُغرق الشعب في الظلام. 
ممالكُ الصدأ يكرهها الشعب، 
يكره ممالك الخوف وقطع الرؤوس، 
يريد الكفاءة لا العباءة، 
يريد إسقاط نظام التدافع بالمناكب على المناصب 
لتحقيق مكاسب على حساب قوت الشعب. 
(2) 
الشعب يريد أن يعرف "درع الجزيرة" 
هل هو لحماية الشعب أم هو لحماية الجائرين؟. 
يريد أن يعرف من الذي يريد منه 
أن يكون قبائل ومذاهب ليتقاتلوا؟. 
يريد أن يعرف من هو الدبّ ومن هو الجبّ؟  
من يريده فيما يتحرّر من الجبّ 
أن يقع بين مخالب الدبّ؟. 
الفتنةُ هي ألاّ يرعوي المتسلّطون 
عن استعباد الشعب ولا يخرج الشعب 
إذا لم يفهموا بالّتي هي أحسن 
ويضع لهم حدّاً. 
يريد أن يستمسّك بزمام ثرواته الطبيعيّة، 
أن يكون منتجِاً لا سوقاً لتصريف الإنتاج. 
لا لسندان الوكيل الحصري ومطرقة الإمبرياليّة. 
الفكرة في سبيل الشعب، لا الشعب في سبيل الفكرة، 
القوى الأمنيّة والجيش في سبيل الشعب، 
لا الشعب في سبيل القوى الأمنيّة والجيش. 
الدولة هي الشعب. 
لا لسلالات عمومِ القاذورات. 
ينحني الشعب احتراماً، للكورد، للبربر، 
للآشوريين، للآراميين، للأرمن، للتركمان، 
للشركس، للغجر، للبدون، للعرب، للكلّ. 
مواطنون لا أقليّات ولا أكثريّات. 
هديرُ الشعب زئير. 
الشعب في طريق الألف ميل.  
هو الأهل، الأقارب، الأصدقاء، 
ولكنّه لا يريد أن ينعكس ذلك على الإدارة. 
الفقرُ كثير، الديمقراطيّة معلّقة. 
بئس المثقّف عاملاً ضفدعاً 
يتنافخ باسمِ قدسيّةِ الملكيّة الخاصّة، 
ويتوعّد المعدَمين بالويل والثبور وعظائم الأمور، 
ويتمسّح قِطّاً بأذيال أولياء الكرسنّ والشعير. 
"الإصلاح السياسي لم يكن يوماً ترفاً". 
"من يسوق الناس بالعصا سيجد ذاته وحيداً كثيراً 
عندما تغرب مرّة وإلى الأبد شمسُه المظلمة". 
الشعبُ مع نتائج البحوث العلمية. 
(3)
الشعب يريد تطهير البلاد. 
لا للمال السياسي. كلّ "تابو" يريد الشعبُ إسقاطه. 
الشعبُ هو السلطة. الرئيسُ مواطن موظّف برتبة رئيس. 
الجندي مواطن موظّف برتبة جندي. 
حريّةُ المواطن أقدس من كلّ ما عداها. 
الشعب قبْل الحاكم والشعب بَعده. 
الشعب يريد إسقاط الأقنعة. 
الروايةُ الرسميّة شيك بلا رصيد. 
مِن البكتيريا إلى الحوت، ومِن رأس الإبرة إلى الصاروخ، 
مِن الذرّة إلى المجرّة، ومِن المجرّة إلى الذرّة، 
يريد تفكيك آليّات منطق قوّة الشرّ، 
الشعب هو الشمس المشرقة. 
(4) 
الشعب يريد محاسبة من تغوّلوا  
أن يقول للجاثم فوقه: "إرحلْ"   
نزل الشعب إلى الشارع ليضع حدّاً للفوضى  
الشعب يريد إسقاط الإستشراق الكولونيالي 
يريد طرد الدولار من المعبد 
يريد أن يسمع زقزقة العصافير وهديلَ الحمام  
لا قطرة ضوء لمن يخشى الحياة  
الشعب ضد هُبل واللات مِن أصنام الحكّام العرب 
يريد أن يسمع لكلّ من له رأي 
مواطنون لا رعيّة، العلمانيّة من الإيمان  
المساواة بين الجنسين حقّ تكفله شرعةُ حقوق الإنسان  
الكرامة صنو الروح، الأنظمة البوليسيّة يجب أن تسقط   
قوانين الطوارئ في حالتين فقط: 
في حالة الكارثة الطبيعيّة، أو في حالة الحرب  
وفي الحالتين هي من أجل حماية المواطن 
لا للطاعة، نعم لحكم القانون  
يا آل ديكتاتور اخرجوا منها  
الرياح عربيّة ولكن هناك غبار أجنبي  
من علامات السقوط أن تتكاثر الجرذان  
ملَّ الشعبُ من اختلاقَ القصصِ والروايات  
الشعب يريد إسقاط شريعة الغاب  
يريد إسقاط شريعة الإقتلاعِ والقتل والسجنِ والتشريد  
يكره من يمنعون عليه أن يجتمع  
يكره من يتوعّدونه بالحديد والنار، ويريدونه أن يفترق  
أكواخُ الصفيح والعشوائيّات جريمة حرب  
الشعب يكره ممالك القيح ومدن الملح  
لا وصي إلاّ الضمير الحي  
الشعبُ يريد الخرافة، يحبّها في الشعر والفن فقط  
يكره تزوير الوقائع، يكره تزوير التاريخ  
يريد أن يقتحم حصون الأخلاق البالية 
الشعب يريد أن يعرف مَن وراء إثارة الفتن المذهبيّةِ 
والطائفيّةِ والعنصريّةِ في بلاد العرب؟   
مَن يقف وراء سياسة "فرّق تسد"؟ 
من يريد من الشعب أن يكره بعضه؟  
الشعب يريد حقوقاً متساوية  
لا يريد أن يكون هذا "بالزيت" وذاك "بالسمنة"  
العقيدةُ في سبيل الشعب لا الشعب في سبيل العقيدة  
انكشفتْ خدعة الإستشراق الكولونيالي  
الشعب يريد أن يتفاهم مع الأحبّة الكُورد  
خصوصاً في حقّهم بوطن حرّ وشعب سعيد  
الكُورد أحفاد صلاح الدين  
الشعب يريد أن يتصالح مع روحه  
يريد أن يجتاز عتبة الغائب ليدخل إلى الحاضر  
الشعبُ ثابتٌ، كلّ ما عداه متحوّل  
الشعب يثق بالأخلاق الرفيعة، لكنّه أيضاً يثق بالدستور  
كلّ تسلّطي هو غبي. الشعب يريد أن يعرف اتّجاهات المعنى  
يريد أن يعرف الوقت المنحني تحت أحمال كثيرة  
يريد تجريد الأصنام - الحكّام العرب من ألوهيّاتهم المجرمة  
يريد أن يكسر القيد  
الشعبُ يريد ولو كره الكارهون  
هناك من يستبق النيران مفتعلاً حرائق إجهاضيّة  
لا شعب من دون مكافحة التسلّط  
حقبةُ النفط تضرم النيرانَ بحقبةِ الثورة  
احتمالُ المظالم اقتصادياً، اجتماعياً، أمنياً، انتهى 
الشعبُ ينظر إلى العالم وإلى ذاته  
الثورةُ المضادّة إيقاظ النعرات - الفيلم الإستعماري الطويل  
وجهُ الشعب لا يُختصر بوجه الزعيم 
الشعب حرّ، يريد أن يعبر حرّاً.  
Shawki1@optusnet.com.au 

السبت، 19 سبتمبر، 2015

الارهاب والهجرة في زمن الكوليرا/ الدكتور رافد علاء الخزاعي

 ان التحديات التي يعيشها  العراق الان من سؤ الحكم الرشيد والديمقراطية العرجاء مع تهتك البنى التحتية  نتيجة الحروب الموامرات  خلال 1991 ولحد الان جعل من ارض العراق منبع خصب للاوبئة والكوارث الصحية نتيجه التقصير في تقديم الخدمات الافضل رغم الوفرة المالية  وهذا يعزو دوما الى الفساد المستشري في المشاريع المنفذه 
كانت الكوليرا والجدري والطاعون يتناوبون على قتل العراقيين مع  قوات الاحتلالين العثماني والفارسي وكانت الكوليرا دوما تهاجم المحتلين قبل الناس  وهكذا بقى العراق تحت طائلة الوباء في القرنين المنصرمين  وقد وثقها الدكتور علي الوردي في موسوعته لدراسة طبيعة المجتمع العراقي واخر الاوبئة الشديدة كانت سنة 1965 وسنه 1972 وسنة  1991 وبعدها قل تسجيل الاصابات بهذا الوباء ولكنه عاود مع قدوم العمال البنغال والهنود وكثرة المسافرين العراقيين للهند لاغراض العلاج وكان الوباء يبداء دوما من البصرة وكربلاء والنجف  مع الهنود والايرانين القادمين للزيارة  والتجارة ولكن هنالك حالات سجلت في وباء 2009 في محافظة السليمانية  وذلك نتيجة وجود المطار فيها وقدوم العمال الهنود والبنغال  وهم من الحاملين للمرض لان الكوليرا متوطنة في بلادنهم  في شبه القارة الهندية، مع وجود نهر الغانج بمثابة خزان ملوث. وقد انتشر المرض من خلال طرق التجارة (البر والبحر)  وقد حدد روبرت كوخ، ضمة الكوليرا تحت المجهر بأنها العصية المسببة للمرض في عام 1885.وهكذا عندما يعرف المسبب للمرض يمكن ذلك العلماء ايجاد سبل العلاج والوقاية   وقام عالم البكتيريا الروسي المولد فالديمار هافكاين بتطوير أول لقاح للكوليرا حوالي عام 1900. وبعدها وقد تم فصل الجرثوم قبل ثلاثين عاما (1855) من قبل عالم التشريح الإيطالي فيليبو باتشيني، ولكن لم تكن طبيعته ونتائجه معروفة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم وهكذا ساهم اللقاح في انقاذ ملايين البشر من هذا الوباء وهو يفضل ان ياخذه كل المسافرين للقارة الهندية ودول امريكا اللاتنية .
الكوليرا هي  من الأمراض المعوية المعدية التي تُسببها سلالات جرثوم ضمة الكوليرا المنتجة للذيفان (السم المنتج من الضمة المعوية)المعوي. وتنتقل الجرثومة إلى البشر عن طريق تناول طعام أو شرب مياه ملوثة ببكتيريا ضمة الكوليرا من مرضى كوليرا آخرين. ولقد كان يُفترض لفترة طويلة أن الإنسان هو المستودع الرئيسي للكوليرا، ولكن تواجدت أدلة كثيرة على أن البيئات المائية يمكن أن تعمل كمستودعات للبكتيريا.
ضمة الكوليرا هو جرثوم سلبي الجرام ينتج ذيفان الكوليرا، وهو ذيفان معوي، يعمل على تبطين الأغشية المخاطية ل الأمعاء الدقيقة، وهذه العملية هي المسؤولة عن هذا السمة الأكثر بروزا للمرض، الإسهال المستنزف والذي يجعل المريض يفقد ثمانية  لتر من السوائل خلال فترة قصيرة عن طريق الاسهال والتقيؤ  ومع فقدان السوائل يفقد المريض الكثير من الشوارد والاملاح. وفي أشكاله الأكثر حدة، الكوليرا هي واحدة من أسرع الأمراض القاتلة المعروفة، وقد ينخفض ضغط الدم في الشخص السليم إلى مستويات انخفاض الضغط في غضون ساعة من بداية ظهور أعراض المرض؛ وقد يموت المرضى المصابين في غضون ثلاث ساعات إذا لم يتم تقديم العلاج الطبي. وهو تعويض السوائل الوريدية وبدء الارواء الفموي مع اخذ علاج مضاد حيوي من التتراسايكلين او السبروفلوكسيسين او النورفلوكسيسين  وهو  السيناريو الشائع، يتطور المرض من البراز السائل أولا إلى صدمة في غضون من 4 إلى 12 ساعة، ملحقا بالوفاة في غضون من 18 ساعة إلى عدة أيام، ما لم يُقدم العلاج الإماهي عن طريق الفم (أو في الوريد، في الحالات الأكثر خطورة) ان اكثر السوائل المفيدة للمريض هو ماء الرز (الفوح) ونقوع الطرشانه (المشمش المجفف) والشاي المخفف الحلى بالسكر واللبن الحامض والرقي والبطيخ وعصير الطماطة والبطاطا المسلوقة والموز او حساء قشرة الموز لاحتوائها على مادة البكتين.
 والاهم من ذلك هو التثقيف على تعقيم المياه في المنزل في حالة صعوبه توفيرها وخصوصا في معسكرات الايواء للنازحين والمدارس وتامين الغذاء المامون والنظافة الشخصية من خلال غسل اليدين وتوفير المرافق الصحية وزيادة المناطق المخدومة بالماء الصافي النقي الخالي من الامراض والمطابق للمعايير الدولية مع الاهتمام بالتعامل الامثل مع مياه المجاري والامطار من خلال تنقيتها قبل اعادتها للانهر وهكذا هي الكوليرا الذي كتب عنها  ماركيز روايته الحب في زمن الكوليرا من خلال وضع الراية الصفراء على سفينته  وهي تبحر مع محبوبته ليخقق كبته الشبابي في شيخوخته المراهقة وهكذا جعلت الكوليرا تشايكوفسكي يكتب الرثاء الموجود في السيمفونية الأخيرة لتشايكوفسكي (1840-1893) جعل الناس يعتقدوا أن لتشايكوفسكي كان لديه احساس بالموت. وقد لاحظ أحد المراقبين أنه بعد أسبوع من العرض الأول للسيمفونية السادسة مات تشايكوفسكي - 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1893. وكان يشتبه أن سبب هذه الوعكة وألم المعدة أنه تعمد اصابة نفسه بوباء الكوليرا عن طريق مياه الشرب الملوثة وانها قتلت حتى الملوك منهم محمد علي ميرزا، شاه بلاد فارس
الدوق الكبير قسطنطين باولوبج من روسيا
جيمس بولك، الرئيس الحادي عشر للولايات المتحدة .
ان العراقيين الذين توفى بوباء الكوليرا في منطقة موبؤة بوباء اخر هو الارهاب وداعش الذي دمر مع الفساد المستشري واللامباله محطات تصفيات المياه مع كثرة المهجرين في قضاء ابو غريب وفيضان العام الماضي تستدعي اتخاذ خطوات عملية في عدم استشراء الوباء لمناطق اخرى من خلال الفحص الوبائي الاستقصائي لمعرفة حاملين المرض ومن خلال اللقاحات والعلاج الوقائي اليومي للعوائل المختطرة واقرباء المصابين انه العراق في زمن الكوليرا يحمل الرايه الصفراء نحو التغيير والاصلاح


الجمعة، 18 سبتمبر، 2015

كوردستان والأنظمة المعادية؟/ كفاح محمود كريم

     طيلة ما يقرب من قرن من الزمان منذ تأسيس الكيان العراقي في غفلة من مكونات، وحتى يومنا هذا توالت على دفة الحكم فيه أشكالا وأنماطا من الأنظمة والحكام، اختلفت في الأسماء والعناوين وربما في آليات تسلق سلالم السلطة أو القفز إليها ببهلوانيات انقلابية، حتى آخرها الذي استخدم صناديق الاقتراع مع شعب لم يبلور لحد الآن مفهوما للمواطنة، تنضوي تحتها كل الانتماءات الأخرى، بل على العكس تم تقزيم الوطنية والمواطنة بالولاء العشائري والمناطقي تارة، وتارة أخرى بالحزبي والديني والمذهبي، وفي كل هذه العجقة من الانتماءات يتقدمها دوما الولاء المطلق للقائد الضرورة، وضع من تشاء من أسماء رؤساء العراق!

     الغريب إن الأنظمة اختلفت في كثير من الأمور لكنها اتفقت جميعها على ذات الثقافة في التعامل مع كوردستان وقضيتها وان اختلفت الأساليب والادعاءات، لكنها تتفق جميعها في الثوابت العدائية مع تطلعات الكورد وحقوقهم الإنسانية، فمنذ ثورة أيلول الكوردستانية التي قادها الزعيم مصطفى البارزاني في مطلع ستينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، لم تختلف القوى المضادة لها قيد أنملة في عدائها وأسلوبها الدعائي وحتى مصطلحاتها التي تستخدمها في توصيف الحركة التحررية الكوردستانية، وليس غريبا أن تتفق أو تتوحد في الطرح كل الأنظمة وان اختلفت إيديولوجيا في نظرتها لقضية شعب كوردستان وحقوقه الإنسانية في حق تقرير مصيره، فتارة هي انفصالية وتارة أخرى انعزالية أو شعوبية أو عميلة للاستعمار والصهيونية، فهذه المصطلحات توحد النهج الدعائي لكل من عادى شعب كوردستان وطموحاته في تحقيق ذاته ونيل حقوقه.

     المتطرفون من البعثيين والقوميين ومن سبقهم، وحتى بعض معارضيهم من اليساريين، وان ابدوا مرونة هنا وهناك، لكنهم لم يأبهوا في توصيف الحركة التحررية الكوردستانية بأنها إما انفصالية أو عشائرية رجعية في اضعف الإيمان، أما البعثيون وورثتهم اليوم فقد شنوا حملات دعائية مكثفة في كل من العراق وسوريا وعملائهم في بقية البلدان العربية، بان الثورة الكوردية وقادتها مجرد عصابات متمردة عميلة للاستعمار والصهيونية، والغريب في هذه الثقافة البائسة إن معارضيهم بعد إسقاطهم وإبادتهم، وصموهم بذات الأوصاف واعتبروهم عصابات عميلة   للصهيونية والاستعمار!؟

     اليوم تكرر بل وتستنسخ أجهزة دعاية حزب الدعوة الحاكم من جماعة المالكي ومن والاه فكرا وعقيدة، ذات المنهج في معاداة الكورد وكوردستان وبذات التوصيفات، وقراءة سريعة لوسائل دعايتهم المسموعة والمقروءة والمرئية والالكترونية، يستدل المرء بأنهم فعلا الوجه الثاني لعملة البعث الفاشية العنصرية، لما يقومون به من حملة ملؤها الحقد والكراهية ضد كل من يعارضهم وفي مقدمتهم الكورد وكوردستان، مستثنين في ذلك القوى العميلة لهم ممن كان يطلق عليهم شعب كوردستان بـ (الجته) أو الجحوش، وهي ميليشيا من عملاء الأنظمة الدكتاتورية في بغداد، وتضم أغوات عشائر وشخصيات كارتونية يتم تصنيعها كبدائل لممثلي شعب كوردستان وفعالياته السياسية، ولكن ممن يحمل عبارة صنع في بغداد، وهم يعاودون صناعة هذه البضاعة الفاسدة ثانية بأشكال سياسية مقززة، فهل فعلا يعيد التاريخ نفسه كما حصل في ستينيات وسبعينيات وما تلاها من القرن الماضي!؟

     إذا تم ذلك فهذا يعني إن مشهد سقوط أنظمة الملكية وقاسم والعارفين والبعثيين وصدامهم سيتكرر هو الآخر، وستبقى كوردستان كما في كل مرة صامدة شامخة كجبالها وأخلاقياتها وقيمها!

kmkinfo@gmail.com

كيف تكتب تعليقك في مجلة الغربة