البطريرك الراعي: إنكار وإسقاط وتيتي تيتي!!/ الياس بجاني


أي عقل راجح بإمكانه أن يصدق ما قاله غبطة البطريرك الراعي يوم الأحد بتاريخ 30 تشرين الأول/11، في مطار بيروت اثر عودته من أميركا وروما؟ قال بأنه لم يسمع ولم يقرأ عن اجتماع "لقاء سيدة الجبل" الذي عقد يوم الأحد بتاريخ 23/10/11، وحضره ما يزيد عن 500 سياسي وأكاديمي وإعلامي ومثقف وحقوقي وناشط ونائب لبناني، وضجت به كل وسائل الإعلام، وهو نفسه، أي الراعي، كان وصفه من أميركا قائلاً "مش كير منيح". (وطنية 30/10/11: ("بالنسبة لموضوع الاجتماع، أنا لا علم لي به، وسمعت أنهم يتحدثون عن اجتماع أو إلغاء اجتماع، فأنا لم يتسن لي الاطلاع على شيء، فوقتي كان مكتملا، لا قرأت أي شيء عنه ولا عرفت عنه شيئا، أنا قلت في أميركا شيئا مهما وكبيرا جدا، إنني مع كل اللبنانيين".

مسكين سيدنا لا يريد أن يُصدق أن أبناء طائفته الموارنة السياديين والمؤمنين والأحرار و"الرجال" لا يعترفون ولا يؤيدون ولا تعجبهم مواقفه السورية والإيرانية والإلهية (نسبة لحزب الله)، وهو للأسف وبسبب تكوين شخصيته هرب إلى آلية الإنكار النفسية DENIAL المعروفة جيداً في علم النفس والأمراض العقلية، فنكر كل شيء يتعلق بوقائع اجتماع "لقاء سيدة الجبل"، وكأن بإنكاره المرَّضي هذا يزول من الوجود ومن عقول الناس الاجتماع إياه وتتبخر مقرراته الجريئة والوطنية والمارونية التي رفضت جملةً وتفصيلاً كل مواقفه السياسية والوطنية "الشاردة" منذ أن أُنتخب بطريركاً.

حرام على هكذا تفكير منغلق يرفض الآخر ولا يقبله وتؤلمه الحقيقة، فينسلخ عنها ويهرب منها إلى أحلام يقظة وما يشبه الأوهام. من هنا كل الدلائل تشير إلى أن الموارنة مقبلين على كوارث مع هذا الرجل ما لم يتم وضع حدود لانحرافاته السياسية والاستعلائية، ومنعه من الكلام في غير الأمور الدينية والاجتماعية والمعيشية البحتة.

سيدنا خائف على الحقيقة ولكن أية حقيقة هذه، فهو ورغم نشر وسائل الإعلام كل تصاريحه ومقابلاته حرفياً وبالصوت والصورة والنص، بدءاً من فرنسا ونهايةً في روما، إلا أنه مصر على خلفية آلية الإسقاطPROJECTION النفسية على اتهام الإعلام بتجزئة كلامه، عجبي!!، (وطنية 30/10/11: "أنا لدي عتب على بعض وسائل الإعلام في هذه الفترة لأنها تجتزئ الكثير من الكلام ولا تنشره كاملا، فأنا أحب الحقيقة".

وفي محتوى ونفسية وخلفية وهوى كلامه بعد عودته من جولته الأميركية والفاتيكانية يمكننا القول براحة ضمير "تيتي تيتي، مثل ما رحتي، مثل ما جيتي". فهو عاد ولو على موجة قصيرة وبأقل توتراً إلى ربط سلاح حزب الله بعودة الفلسطينيين وبالدولة الفلسطينية، وبتنفيذ القرارات الدولية، وبوضعية وتسليح الجيش اللبناني، وبباقي أوتار وقاطرات المعزوفة السورية والإيرانية المستنكرة إياها. هذا ولم يفته التأكيد على أن زيارته المرتقبة إلى سوريا وباقي الأبرشيات بمن فيها كندا هي قائمة وقيد التحضير، فيا "سعدنا ويا فرحتنا".

وحتى لا يفوتهم شيء من بركات زيارة سيدنا لكندا، ننصح بعض أهلنا فيها من جماعات القداديس والجنانيز ونفخة الصدر والمتيمين بالحفلات والدبكة والتبولة والمقاعد الأمامية وأخذ الصور، ننصحهم أن يُحضِروا أنفسهم ويحجزوا المقاعد منذ الآن، ومن بقدرته المالية وضع طائرة بتصرف سيدنا "يلحق حاله ع بكير". (وطنية 30/10/11: "ما زلت أقول إن البطريرك واجبه حسب القوانين أن يزور كل الأبرشيات مرة كل خمس سنوات، وهذا ما نفعله الآن، أنا علي أن ازور أبرشياتنا في سوريا والأردن وقبرص ومصر والأراضي المقدسة وزرناهم في أميركا وسنذهب إلى كندا واستراليا، فيجب على البطريرك قانونا زيارة الأبرشيات، ليس كرجل سياسة ولا كرجل دولة إنما كبطريرك، فيجب عدم ربط الأمور كلها ببعض".)

من يقرأ كلام الراعي الذي أدلى به في مطار بيروت يدرك أن الرجل مصر على مواقفه المنحازة كلياً للنظامين السوري والإيراني ولحزب الله بما يخص كل الملفات الخلافية في لبنان، وهي مواقف تبناها علنية وبحزم ضد كل ثوابت بكركي، وضد الدولة، وضد القانون، وضد المجتمع الدولي، وضد الإنجيل، وضد الحريات والديموقراطية، وضد كل تاريخ الموارنة، وضد ثقافتهم، (وطنية 30/10/11: "أنا قلت أكثر من ذلك، أنا قلت إذا المقاومة تقدم سلاحها اليوم فيكون عيدا كبيرا في لبنان، ولكن أنا قلت أيضاً إن الأسرة الدولية عندها دور بحل هذا الموضوع اللبناني الدولي، فقضية سلاح حزب الله حلها ليس في أيدي اللبنانيين فقط وإنما أيضاً في يد ومسؤولية الأسرة الدولية، وقلت وسأكرر أن هناك أموراً يجب أن نتعاون بها سويا، نحن داخليا نعالج الموضوع، وعلى الأسرة الدولية واجب كبير جدا هو في أساس الخلافات كلها وهو الاحتلال الإسرائيلي، فيجب تنفيذ القرارات الدولية، وعودة الفلسطينيين إلى أراضيهم بكرامة وان تكون لهم دولة ويعيشوا مثل كل الناس، وهناك أيضا قضية تسليح الجيش، وأنا قلت يجب عدم الربط بين هذه الأمور، فنحن في المجتمع اللبناني نحكي ونتفاهم ونحاول حل القضايا التي هي بيدنا، إنما على الأسرة الدولية أن لا تقف موقف المتفرج وان لا تحترم القرارات الدولية").

من الملاحظ أن غبطته عاد إلى هرطقة التناغم الكامل مع طروحات وسياسات الرئيس ميشال سليمان "المسورنة والملالوية" والمستسلمة كلياً لمشية الدويلة، بما يخص طاولة الحوار دون أن يحترم ذكاء الناس وثقافتهم وسعة اطلاعهم السياسي والوطني ويقول لهم على ماذا سيتم التحاور؟، (وطنية 30 تشرين الأول/11 من مطار بيوت: "وأنا فرحت لدعوة فخامة الرئيس لطاولة الحوار، فيجب أن يكون لدينا الجرأة والولاء الحقيقي للبنان وان نجلس على الطاولة ونطرح كل قضايانا، وننطلق من جديد نحو لبنان بميثاقه الوطني، ميثاق العيش المشترك، هذا العيش الإسلامي -المسيحي المتعثر في الشرق والغرب، فلبنان عنده دور كبير ورسالة". وهنا سيدنا أيضاً تلطي وراء آلية الإنكار متعامياً عن رزمة التصاريح والأحاديث الصحافية العنترية والوقحة التي قصف بصواريخها ومكرها اللبنانيين وبالفم الملآن نواب ومسؤولين من حزب الله وحركة أمل خلال الأيام القليلة الماضية حيث أكدوا أن لا حوار على سلاح حزب الله وبأن من يريد ذلك فهو عميل وخائن.

وفيما يخص آلية الإنكارDENIAL التي على ما يبدو يجيد سيدنا اللعب على أوتارها ببراعة "مرّضية" مستفحلة فقد فرضت عليه عدم التحدث ولو تلميحاً عن سرقة أراضي الكنيسة المارونية في لاسا، وعن تمديد شبكة اتصالات حزب الله في ترشيش، وعن انتهاكات خطف السوريين المعارضين من لبنان بأوامر وأشراف السفير السوري عندنا مع قوى الأمر الواقع وبعض القوى الأمنية الرسمية. كما ساعدته هذه الآلية النفسية المرّضية على تجاهل انتهاكات الجيش السوري للحدود اللبنانية ورفض السيد نصرالله وربعه تمويل المحكمة، والتعامي عن إجرام الرئيس الأسد "الطيب"، وتطول القائمة.

في الخلاصة إن رحلة سيدنا إلى أميركا كانت فاشلة على كافة المستويات الرسمية والشعبية، فالإدارة الأميركية لم تؤمن له ولو مقابلة واحدة بشكل رسمي مع أي مسؤول، وذلك ليس لأنه هو لم يطلب ذلك كما أدعى، بل بناء على طلب مباشر من القيمين على اللوبي اللبناني الأميركي، كما أن المقاطعة المارونية الشعبية لكل المناسبات التي شارك فيها كانت ظاهرة حتى للعميان، وقد وضح دون أي لبس هذين الأمرين مسؤول بارز في هذا اللوبي في مقابلة له مع موقع 14 آذار الالكتروني نشرت على حلقتين بتاريخ 30 و31/10/11.
"وتيتي تيتي مثل ما رحتي مثل ما جيتي"

CONVERSATION

0 comments: