جمعة معتقلي الثورة/ محمد فاروق الإمام

لقد بلغ عدد المعتقلين على خلفية الأحداث الأخيرة في سورية، بحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الدولية والعربية والسورية المستقلة، ما يزيد على تسعين ألف معتقل خلال عشرة شهور مضت من انطلاقة الثورة، فُقد فيها الآلاف من المعتقلين، وودّع المئات منهم الحياة على يد جلادي هذه المعتقلات، وسُلموا إلى أهليهم وقد شوهت أجسادهم وغيرت معالم وجوههم، ومن هنا استحق معتقلو الثورة النداء الذي أطلقه الشعب السوري الثائر مطالباً بالحرية لهؤلاء المعتقلين مسمياً جمعة الأمس 20 كانون الثاني بجمعة (معتقلي الثورة)، وإذا ما علمنا أن البروتوكول العربي الذي وقعه النظام السوري مع الجامعة العربية ينص بنده الأول على إطلاق سراح جميع المعتقلين فوراً وهذا لم يتحقق، فلم يطلق النظام إلا بضعة آلاف وعلى دفعات متباعدة، فما يزال هناك عشرات الألوف قابعين في سجون ومعتقلات تفتقد إلى الحد الأدنى من صلاحيتها كزرائب للحيوانات.
تاريخ النظام السوري الذي كان يتراجع على الدوام في كل مناحي الحياة التي تخص الوطن والمواطن منذ استيلائه على السلطة فجر الثامن من آذار 1963، كان يخطو في مقابل هذا التراجع خطوات سريعة ومتقدمة في مجال قهر الإنسان السوري وإذلاله، فقد أقام العشرات من السجون والمعتقلات والأقبية والزنازين حتى يتمكن من احتواء عشرات الألوف من المعتقلين والسجناء على خلفية آرائهم وانتماءاتهم الفكرية والثقافية والدينية والمذهبية والعرقية.
لقد قام عندنا في سورية أدب سماه المثقفون (أدب السجون) يروي فصول المأساة التي يتعرض لها المواطن السوري الذي يسوقه حظه العاثر إلى سجون أو معتقلات هذا النظام، فقد روى السجين خالد الفاضل تجربته في سجن تدمر في كتاب أسماه (القاع.. سنتان في سجن تدمر الصحراوي).
وروى الدكتور عبد الله الناجي تجربته المأساوية في سجن تدمر في كتاب (حمامات الدم في سجن تدمر).
وأصدر الأردني محمد سليم حماد كتاب (تدمر شاهد ومشهود) يحكي فيه تجربته في هذا السجن خلال فترة اعتقاله لمدة اثنتي عشرة سنة وكان يدرس في جامعة دمشق.
وحتى النساء كان لهن نصيب في الاعتقال، فهذه الطالبة في كلية الشريعة بدمشق هبة الدباغ تروي في كتابها (خمس دقائق فقط) المأساة التي تعرضت لها أثناء اعتقالها لخمس دقائق فقط كما قيل لها، فبقيت تسع سنوات خلف القضبان في سجن المزة العسكري بدمشق.
ويروي الكاتب السوري المعروف ياسين الحاج صالح، الذي أمضى نحو عقد ونصف العقد في سجون هذا النظام لأسباب سياسيَّة، تجربته خلف القضبان في كتابه (مرارة الاعتقال في سورية).
وهذا الشاعر السوري فرج بيرقدار يحكي تغريبته في سجون المخابرات السورية في كتابه (خيانات اللغة والصمت)‏,‏ ويحكي فصول التجربة التي عاشها وخرج منها بعد14 عاما.
ويحكي مصطفى خليفة – وهذا ليس اسمه الحقيقي فهو مسيحي كاثوليكي – في كتابه (القوقعة) عن يومياته في سجن تدمر الصحراوي الذي كان يحتوي – كما يروي - على أعلى نسبة لحملة الشهادات الجامعية في هذا البلد.
وهذا الشاعر السوري سليم زنجير يحكي في كتابه (ما لا ترونه) العجب العجاب عما تعرض له في سجون هذا النظام.
وفي كتاب (الطريق إلى تدمر.. كهف في الصحراء الداخل مفقود، والخارج مولود) يحكي المهندس الأردني سليمان أبو الخير، الذي اعتقل عند مروره بدمشق آتياً من ألمانيا التي كان يدرس فيها، تجربة خمس سنوات من الألم في هذا السجن الرهيب.
قد لا يُصدق الإنسان بعض القصص التي يسمعها أحياناً من أشخاص غيبوا داخل سجون النظام السوري، خاصة وأن الناس يعتقدون أن إسرائيل ومؤسساتها الإرهابية تتعامل مع الشعب الفلسطيني بأعلى درجة من اللاإنسانية والتعذيب والإهانة، لكن بعد أن ترى بعينك وتسمع بأذنك فإنك ستغير نظرتك إلى الأمور، وتُصبح تبحث عن القصة تلو القصة، فهذه بعضها يرويها من عاشوا في سجون النظام السوري، فسجونهم كما يروي هؤلاء عبارة عن قبور تحت الأرض، أمضوا فيها أيام وأسابيع بدون ماء أو أكل، طرق تعذيب لا يمكن أن يتصورها عقل إنسان أو يستوعبها. ففي هذه السجون لا يستطيع الصليب الأحمر أو أية جمعية لحقوق الإنسان مشاهدتك أو زيارتك، ولا يستطيع أحد من ذويك أو معارفك السؤال عنك أو يعرف ما هي التهمة المنسوبة إليك أو إلى أين وصلت الأمور معك.
ويؤسفني أن أقول – بحسب روايات من اعتقلوا من الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية – أن في إسرائيل يستطيع الصليب الأحمر أن يصل للمعلومات عنك خلال أقل من أسبوع، ويستطيع المحامي أن يُتابع قضيتك فور انتهاء التحقيق معك، وهذا بالتأكيد ما يجعلك تضع التساؤلات؟ هل الإسرائيليين أكثر رحمه من شبيحة هذا النظام وسجانيه ورجال أمنه؟!
هناك شهادات حية وموثقة عن السجون السورية، مارس هذا النظام فيها أبشع أساليب التحقيق مع المعتقلين بغض النظر عن جنسياتهم أو انتماءاتهم، فقد ضمت هذه السجون بالإضافة إلى السوريين عرباً وأجانب مورست بحقهم صنوف التعذيب الوحشي، ولم تشفع لهم جنسياتهم التي كانوا ينتمون إليها.
فما بالكم بالسوريين الذين يقضون عشرات السنين مغيبين وراء قضبان هذه السجون، وما بالكم بمعتقلين يُريد النظام أن يُلفق لهم التهم أو أن ينتزع منهم اعترافات وهمية، قد تكون على خلفية مشاركتهم في الثورة أو التظاهر، أو لكونهم قالوا كلمة لا للظلم والاضطهاد أو حتى خطو على الجدران عبارة (يسقط النظام) وكل العالم شاهد مصير أطفال درعا الذين عذب بعضهم حتى الموت، واقتلع أظافر البعض وشوهت وجوههم لأنهم خطو مثل هذه العبارة على جدار مدرستهم.
هذه الشهادات الحية لبعض نزلاء السجون والمعتقلات في سجون النظام من غير السوريين، تجعلنا نفكر ألف مرة بأبنائنا المعتقلين وبمصيرهم المجهول، ونتساءل هل هم في عالم الأحياء أم في عالم المفقودين أم في عالم الأموات؟! وأن من حقهم علينا أن نرفع الصوت عالياً للمطالبة بإطلاق سراحهم، وأن نسعى جاهدين لدى المنظمات المدنية والإنسانية العربية والأجنبية وفي كل المحافل الدولية للضغط على هذا النظام المستبد الباغي للإفراج عنهم.

CONVERSATION

0 comments: