زمن"العهر" والمعايير المقلوبة؟/ راسم عبيدات

....قرار محكمة الاحتلال الصهيوني في تل أبيب بحق الرفيق القائد أحمد سعدات بتغريمه ب (42000) مليون شيكل،بسبب عمليات مقاومة نفذتها الجبهة الشعبية،قرار عدا عن كونه فيه الكثير من العنجهية والوقاحة غير المسبوقة،ويندرج في إطار استهداف الرفيق القائد سعدات،الذي وقف ويقف مواقف مشرفة في كل الساحات والميادين النضالية والكفاحية،والذي هزم الاحتلال في كل معاركه التي خاضتها وسجل مواقف بطولية،مثار اعتزاز وافتخار كل أبناء شعبنا،في التحقيق والصمود الأسطوري،في رفض التعاطي مع المحاكم الإسرائيلية،وفي الدفاع عن حقوق الأسرى ومنجزاتهم ومكتسباتهم،حيث خاض أكثر من إضراب مفتوح عن الطعام ودخل في مرحلة الخطر الجدي،ورفض التعاطي مع إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية وضباط مخابراتها حول الإضرابات المفتوحة عن الطعام كقائد ومناضل له مكانته ودوره في القيادة والمسؤولية،وأصر على أن الجهة المخولة بالتحدث في أمور الإضراب من حيث الاستمرار فيه او وقفه هي اللجنة المركزية للإضراب،وكذلك للجبهة الشعبية التي تمثل حالة نضالية عقائدية متميزة في الساحة الفلسطينية،حيث بقيت ثابتة على مبادئها،مخلصة ووفيه لشعبها ومشروعه الوطني،رغم كل الرياح العاتية التي هبت عليها.

قرار تغريم أحمد سعدات ب(42 ) مليون شيكل،يثير فينا الكثير من السخرية والغضب والحقد معاً،دولة تغتصب شعب بأكمله،تمعن في إذلاله وقمعه،تحتل أرضه،تهجره وتشرده وتمارس كل أشكال التطهير العرقي بحقه،وتريد منه أن يقر بشرعية الاحتلال ووجوده،وأن يعتبر نضاله شكل من أشكال الإرهاب،وربما تريد منه ما هو أكثر من فرض الغرامات،لربما الاعتذار وإدانة نضاله ومقاومته،والاعتراف بأن الحركة الصهيونية المصنفة وبقرار دولي كحركة عنصرية تمارس كل أشكال القمع والإجرام بحق شعب بأكمله،حركة "تحرر وطني"؟؟؟،فهذا وقاحة ما بعدها وقاحة واستهتار بكل الشرعية الدولية وقوانينها ومواثيقها واتفاقياتها،إنه زمن "العهر" والمعايير المقلوبة،زمن ليس فقط يساوي بين الضحية والجلاد،بل نصرة الجلاد على الضحية،في عرف أمريكا وأوروبا الغربية،كيف لا ؟ وبريطانيا العظمى المجرم الأول بحق الشعب الفلسطيني والمسؤولة المباشرة عن كل ما لحق به من جرائم وطرد وتهجير وتشريد،والتي يجب على الشعب الفلسطيني ملاحقتها في كل المحافل والهيئات الدولية،ومطالبتها بدفع ألاف المليارات من الدولارات،ما دامت الشمس تشرق على الأرض،كجزء من التعويضات على الظلم التاريخي الذي لحق بهذا الشعب،ففي العدوان الأخير على قطاع غزة كان وزير خارجيتها وسفيرها في تل أبيب،اول من دعموا وساندوا العدوان،حيث ذهبا الى "كريات ملاخي" للتضامن مع سكانها ضد ما تعرضت له من قصف بالصواريخ الفلسطينية،أما العدوان وقتل وحرق الأطفال بالنابالم وغيره لا يستحق الإدانة والشجب والدعوة إلى وقف العدوان وإنهاء الاحتلال،وكذلك في التصويت على العضوية المراقبة للدولة الفلسطينية امتنعت بريطانيا عن التصويت.

انه "العهر"بأكثر صوره وتجلياته،أن يحاكم قائد فلسطيني ومنظمته على مقاومتهم ونضالاتهم ضد الاحتلال،ويفلت الاحتلال من العقاب،فهو لو دفع مئات أو ألاف مليارات الدولارات عن الجرائم والآلام التي ارتكبها وسببها للشعب الفلسطيني،فهذا غير كاف لمحو بشاعة الاحتلال وظلمه من ذاكرة شعبنا.

القائد المناضل احمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية،والقائد مروان البرغوثي وغيرهم من قادة وأسرى شعبنا في سجون الاحتلال الإسرائيلي،ليسوا وحدهم ضحايا الظلم والمعايير المقلوبة،فالثائر والمناضل الكبير زعيم المؤتمر الوطني الأفريقي سابقاً"نيلسون مانديلا" كان واحد من ضحايا ذلك الظلم وتلك المعايير المقلوبة،قضى ستة وعشرين عاماً في سجون نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا،قبل أن يتحرر ويصبح رئيساً لدولة جنوب أفريقيا،وكذلك الثائرين الأممين كارلوس وجورج عبدالله المسجونين في السجون الفرنسية لوقوفهم الى جانب الحق ورفض الظلم والاضطهاد ومساندتهم ودعمهم للثورة الفلسطينية من خلال الانتماء للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين،وأيضاً المناضل عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني والمسجون في سجون النظام التركي،لمطالبته بحق تقرير المصير للشعب الكردي ومنحه الاستقلال،وهؤلاء القادة والمناضلين،ليسوا وحدهم من دفع ويدفع الثمن لقاء "العهر" والمعايير المقلوبة،بل هناك عشرات القادة والمناضلين في العالم.

أحمد سعدات الذي تصادف الذكرى الخامسة والأربعين لانطلاق جبهته،وهو في سجون الاحتلال، محاكمته عدة مرات،هو يعرف طريقه جيداً،فهو لا يعترف لا بشرعية القضاء الصهيوني ولا بالمحاكم المتفرعة عنه،ويعتبرها جزء من أدوات الاحتلال المبررة والمشرعة احتلاله لأرضنا وقهر وقمع شعبنا،وبالتالي لا تعنيه قرارات محاكم الاحتلال من قريب أو بعيد،ويعتبرها كأنها غير موجودة،ومن هو مطلوب للمحاكمة على ما ارتكبه من جرائم حرب وظلم تاريخي بحق شعبنا الفلسطيني،ومن هو مطلوب منه دفع التعويضات ليس سعدات أو غيره من قادة شعبنا،بل الاحتلال وقادته الذين سجلهم حافل وأسود وطويل ويحتاج الى مجلدات تشرح وتفصل جرائم الاحتلال بحق شعبنا الفلسطيني،وهذه الجرائم مطلوب رفعها إلى محكمة الجنايات الدولية بعد الحصول على العضوية المراقبة للدولة الفلسطينية في هيئة الأمم المتحدة من أجل إدانة ومحاكمة وتجريم وسجن قادة وجنود الاحتلال ومستوطنيه ورجال مخابراته المتهمين بارتكاب جرائم حرب بحق قادتنا ومناضلينا وأسرانا أبناء شعبنا.

والى حين تحقيق العدالة ورفع الظلم،سيبقى الجرح الفلسطيني نازفاً،بفعل الانقسام المدمر،والذي يثقل على كاهل شعبنا،كما تثقل المعايير المقلوبة و"تعهير" القوانين والمواثيق والاتفاقيات الدولية ومبادئ وقيم العدالة والحرية والديمقراطية على كاهله أيضاً.

CONVERSATION

0 comments: