ذكرى ثورة عظيمة/ محمود كعوش

في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي قال الشعب المصري البطل كلمته بكل جرأة واقتناع وانتصاب قامة وعزة وكرامة. قال لا لا لا للضيم والظلم والقهر والقمع والتعذيب والجوع...ولا لا لا لكل صنوف وأنواع الإذلال والحرمان والتجويع والإفقار. قال لا لنظام فاسد ومنبطح ومستسلم لمشيئة بقايا المتصهينين من المحافظين الجدد في واشنطن وحثالة الإرهابيين في تل أبيب، ولا لا لا لأعوان وحزبيين هم صورة طبق الأصل عن هذا النظام. قال لا وألف ألف لا ولا لرئيس لا يطيب له النوم إلا في كنف ورعاية وحماية الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل"، اللتين اعتاد أن يتوسم فيهما راحته وطمأنينته وأمنه وأمانه وسلامته ويرى فيهما صديقتين صدوقتين وموثوقتين على حساب وطنية شعبه وأمته. قال لا وألف ألف لا ولا لرئيس تخلى عن كرامته وكرامة مصر العظيمة للعدو وتعامل مع أبناء شعبه كقطعان وحجارة شطرنج يحركها كيفما يشاء ومتى يشاء وفرّط في كراماتهم وحاول بشتى الوسائل غير المشروعة والتي تتنافى مع أبسط حقوق الإنسان كسر إراداتهم.
نعم في الخامس والعشرين من الشهر المذكور انتفض الشعب المصري بحزم واقتدار فاستعاد أصالته المصرية والعربية، واستعاد معها كرامته وإرادته اللتين سلبتا منه على مدار ثلاثة عقود أو يزيد. هو ذا الشعب المصري البطل الذي قرر في ذلك التاريخ أن لا يرضى بديلاً عن حريته حين قال كلمته وأصر بثقة وثبات على أن لا يتراجع عنها حتى يحقق طموحاته وطموحات مصر العظيمة، بغض النظر عن حجم التضحيات التي قد تترتب على تلك الكلمة.
من المؤكد أنه سيكون لذكرى ثورة 23 يوليو/تموز 1952 المجيدة هذا العام نكهة أخرى تختلف تماماً عما عرفناه خلال العقود الأربعة الماضية التي تلت رحيل الزعيم التاريخي جمال عبد الناصر، لأن شعب ميدان التحرير البطل سيحييها بفخر وعزة وكرامة وإرادة، أولاً لأن ثورته هي امتداد طبيعي لها، وثانياً لأن إحيائه لها سيترافق مع تواصل المظاهرات المليونية التي يستوجبها استكمال تحقيق المطالب التي من أجلها تفجرت ثورة 25 يناير/كانون الثاني الماضي.
لا شك أن ثورة 23 يوليو/تموز التي فجرها نفر من الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر ضد نظام الحكم الاستبدادي في مصر بكل ما مثلته من حالة ثورية مستجدة وطارئة على الأمة العربية في حينه وما أحدثته من تحولات وطنية وقومية لامست مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية العربية، قد ارتقت بالإنسان العربي إلى مستوى المسؤولية التاريخية في صراعه الطويل والشاق مع الاستعمار والاستيطان التوسعي وجميع أشكال التحالفات الإقليمية والأحلاف الأجنبية. كما أنها أسهمت بشكل فاعل وملحوظ في تعزيز وتمتين مناعة وقدرة هذا الإنسان على مواجهة وتحدي الرجعية وقوى الردة والتخاذل والانحطاط والتخلف والاستبداد والرأسمالية والإقطاع في مصر والوطن العربي بشكل عام.
في رحاب الثورة وكنف زعيمها جمال عبد الناصر كَبِرَ الإنسان العربي وارتفعت هامته على قدرِ كِبَرِ وارتفاع هامة الثورة التي أجمع المؤرخون عرباً وعجماً على اعتبارها واحدةً من أهم وأعظم الثورات تأثيراً في التاريخ المعاصر، لما أحدثته من تحولات، وما أفرزته من إيجابيات على صعيد مصر أولاً، والوطن العربي ثانياً، والعالم ثالثاً، وبالأخص على مستوى الدول النامية.
أما وقد مضى تسعة وخمسون عاماً على تفجر ثورة 23 يوليو/تموز 1952 وثلاثة وتسعون عاماً على ميلاد عبد الناصر وواحد وأربعون عاماً على رحيله، فإننا نرى أن من الحكمة عدم الخوض في قراءات تحليلية وتقيمية لإنجازات هذه الثورة ونتائجها وإيجابياتها وسلبياتها، لتجنب السقوط في منزلقات عاطفية تجاه الثورة وفكرها وزعيمها، خاصة وأننا كعرب عادة ما نُوصف "بالاستغراق المفرط والمبالغ به في التعبير عن عواطفنا الجياشة!!". فمثلها مثل جميع الثورات التي عرفها التاريخ، اتسمت ثورة 23 يوليو/تموز بالإيجابيات والسلبيات. وكقائد لهذه الثورة اتصف عبد الناصر مثله مثل جميع القادة الكبار بمزيج من الإيجابيات والسلبيات. لكن إيجابيات الثورة كانت أكبر بكثير من سلبياتها، وكذا كان الحال مع زعيمها، أقلّه في نظر من اعتنقوا الفكر القومي العربي وثبتوا على إيمانهم به برغم كل ما أحاطه به من مؤامرات دنيئة وما مورس ضده من ضغوط أكثر دناءة على المستويين العربي والأجنبي. ومما لا شك فيه أن إيجابيات الثورة الكبيرة جداً وازت إنجازاتها العظيمة جداً، وكذا كان الحال مع سلبياتها التي وازت هي الأخرى أخطاءها.
ولربما أن قراءة موضوعية لثورة 23 يوليو/تموز بعيداً عن التأثر بالحملة المضادة لقوى الردة العربية التي ارتهنت للولايات المتحدة الأميركية وربطت نفسها بمشروعها الاستعماري ـ الاستيطاني في وطننا العربي، تحفزنا على القول دون ما تردد أنه إذا ما قارناها "برغم أعوامها الثمانية عشرة القصيرة التي امتدت بين عام تفجرها وعام وفاة زعيمها" بكل التجارب والممارسات السياسية العربية الأخرى التي سبقتها ولحقت بها فإنها تبقى الأكثر تميزاً وتفوقاً، لما كان لها من فضل كبير وحاسم في تحقيق الاستقلال الوطني لمصر والعديد من الأقطار العربية والدول النامية في جميع القارات. هذا بالطبع إلى جانب ما أنجزته من تحولات اجتماعية وتنموية وخروج من دائرة الاستقطاب الدولي والتبعية، والتي كان لجمال عبد الناصر وإخوانه من الضباط الأحرار في مجلس قيادة الثورة شرف تحقيقها برغم شراسة قوى الأعداء في الداخل والخارج وتكالبها على الثورة. فلولا قوى الظلام المضادة داخل مصر والوطن العربي عامة والاستعمار والصهيونية في الخارج، لكان بمقدور الثورة بقيادة زعيمها أن تنجز الكثير من خططها ومشاريعها وبرامجها الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية، وكذلك الوحدوية.
يجمع المؤرخون والمفكرون والكتاب القوميون على أن الأسباب التي جعلت عبد الناصر يقوم بثورته في منتصف القرن الماضي ما تزال قائمة حتى يومنا هذا، مع تصاعد في حدّتها وتمدد في رقعة انتشارها افترضهما التبدل في الزمن. كما ويجمعون على أن الأفكار التي طرحتها الثورة ما تزال تلقى صدى جماهيرياً إيجابياً واسعاً حتى يومنا هذا أيضاً، الأمر الذي يؤكد مصداقيتها ومصداقية زعيمها، ويمنحهما المشروعية الحقيقية والصادقة. ومما لا شك فيه أن حضور ثورة يوليو/تموز وشخص زعيمها في ميدان التحرير المصري والميادين العربية بشكل لافت للنظر خلال الشهور الستة الأخيرة قد دلل على صحة هذا. فمن حسن طالع الأمة العربية أن فكرة النهوض الوحدوي التي لامست العواطف وتربّعت في الوجدان الشعبي العربي مع تفجر الثورة وانتصاب هامة زعيمها ما تزال تداعب هذه العواطف وتحتل هذا الوجدان على مساحة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.
عندما نُحيي ذكرى ثورة 23 يوليو/تموز فإن الوفاء يستدعي ضرورة التوقف طويلاً عند شخص زعيمها جمال عبد الناصر لاستذكار تجربته واستلهام العبر منها والعمل على زرعها في ذاكرة الأجيال الجديدة من الشعب العربي، لأن الأسباب التي استدعت قيامها ما تزال تحاكيها، ولأن الأفكار التي طرحتها ما تزال تنتظر من يباشر في تطبيقها بشكل أمين ومخلص.
نتوقف عند جمال عبد الناصر لعل في ذلك عبرة لمن رهنوا مستقبل بلادهم وشعوبهم بيد الولايات المتحدة وأطلقوا العنان للمخططات الأميركية – "الإسرائيلية" الجهنمية لتعيث فساداً في الوطن العربي، لقاء حفنات تافهة من الدولارات أو البقاء فوق كراسي الحكم في أنظمة فقدت شرعية بقائها مع لحظة إسقاط مشروع الدفاع العربي المشترك. وإذ يحدث ذلك فإنما يحدث من منطلق الإيمان بعظمة الرجل وضرورة محاكاة تجربته وثورته واستخلاص الدروس والعبر.
وربما أنه يحدث من منطلق إيمان راسخ بالقومية العربية التي رفع شعارها وتبّناها وقضى من أجلها، والتي حوّلها نفر من الكتاب والمفكرين والباحثين والإعلاميين من أهل الثقافات الضيقة إلى "شماعةٍ" علقوا عليها الأوضاع العربية المتردية التي سبقت تفجر الثورات العربية في مطلع العام الجاري، خدمة لأهل السلطة والجاه وأسيادهم في الخارج وتبريراً لتقاعسهم واستكانتهم، وحتى استسلامهم. فالفكر القومي الذي اعتنقه جمال عبد الناصر ما كان يوماً دعوة إلى تغييب الديمقراطية أو القفز من فوقها، ولا وجهاً للقمع والفاشية أو رديفاً للدكتاتورية الفردية، بصرف النظر عما أُلصق بالتجربة الناصرية من تهم وافتراءات بهذا الخصوص، قد يكون بعضها القليل صحيحاً وقد يعود العذر فيه لِقصر عمر التجربة نفسها وكثرة الإرهاصات والإفرازات السلبية والكبيرة التي ورثتها عن مراحل الاستعمار المتعددة ونظام الحكم الاستبدادي الذي انقلبت عليه، إضافة إلى تكالب القوى المعادية في الداخل والخارج ضدها.
إن كل ما قيل وتم تداوله عن التجربة الناصرية والثورة والزعيم بهذا الخصوص صاغه المغرضون في إطار خطة شيطانية مدروسة وحملة ترويج شرسة للنزعات القطرية البحتة التي استشرت في الوطن العربي بعد رحيل عبد الناصر، تلك النزعات التي حوّلت الأقطار العربية إلى إقطاعيات ومزارع لممارسة القمع والفاشية والدكتاتورية تحت سمع وبصر العالم بما فيه الولايات المتحدة الأميركية "صاحبة الفضيلة والحريصة على إرساء الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان في العالم"!!
نتوقف عند عبد الناصر وثورته وتجربته وفي الأذهان جميع أشكال القتل والفتك والبطش والإبادة والإذلال والانتهاكات اليومية التي يمارسها "الإسرائيليون" في الأراضي الفلسطينية المقدسة والأميركيون فوق تراب بلاد الرافدين المباركة، وجميع أشكال المؤامرات والمخططات الجهنمية التي يتشارك الجانبان في حياكتها ورسمها ضد العديد من البلدان العربية، بل جميعها من المحيط إلى الخليج. ونتوقف عند المناسبة العظيمة متشبثين بما تبقى عندنا من كرامة كان لجمال عبد الناصر الفضل الأكبر في إرساء دعائمها وزرعها في نفس وعقل وقلب كل إنسان عربي على مساحة الوطن العربي كله. كما ونتوقف عندها لشعورنا الصادق والأمين بأننا أحوج ما نكون في هذه الأيام لمثل هذا الرجل الكبير، الذي كبرت أمته به وكبر بها.
الآن وقد بدأت الثورة الشعبية التي تجتاح الميادين العربية تشهد على استرداد العرب لكراماتهم وإراداتهم التي افتقدوها مع رحيل جمال عبد الناصر في عام 1970 وتوالي التجارب السياسية العربية التي أعقبت التجربة الناصرية وقفزت من فوقها طوال العقود الأربعة الماضية، ألا تقتضي الحكمة الاعتراف بحالة التميز التي شكلتها ثورة 23 يوليو/تموز، بتجربتها وشخص قائدها، وضرورة إخضاعها للتقييم والنقد الموضوعيين وأخذ العبر من نجاحاتها وتصحيح إخفاقاتها ووضعها موضع التطبيق العملي والبناء عليها، بحيث تستعيد الأمة العربية مكانتها وتعود كما كانت "خير أمة أخرجت للناس" !!!؟

محمود كعوش
كاتب وباحث مقيم بالدانمارك
كوبنهاجن 2011
kawashmahmoud@yahoo.co.uk

CONVERSATION

0 comments: