رياح تغيير يلفّها ضباب التغرير/ حميد عواد


التغيير مرغوب طالما هو سعي شريف للطامحين نحو الأفضل، لكنّه يُستغلّ أحياناً عنواناً جذّاباً من قبل المتعطّشين لسلطة ماحقة، يطرحونه طُعماً ليستدرجوا شعوبهم من مطبّات الضيق والمعاناة إلى حظيرة العبوديّة القاتلة.

ذروة الخبث تنضح من مواقف أنظمة مستبدّة قمعيّة لم تغب ممارسات بطشها الشرسة عن الأذهان لأنّها مستمرّة في كلّ آن لكنّها تتأجّج في الإستحقاقات الإنتخابيّة لتزوّر إرادة صفوة شعبها.

فمن يسمع تصريحات "القيّمين" على شؤون تلك الأنظمة عن دعمها إنتفاضتي الشعبين التونسي و المصري يخيّل إليه أنّهم خرّيجو أعرق و أرقى مدارس الديمقراطيّة.

لكن سرعان ما تتّضح النيّة المبيّتة عندما تُسمع دعوة هؤلاء المتزمّتين والمغرورين إلى توجيه التغيير نحو نمط تخلّف أنظمتهم فيما يتطلّع المتنوّرون إلى إنتقال آمن نحو صيغة حكم توفّر الفرص العادلة للعيش بكرامة وحريّة وهناء.

لا تغفل عيون الدول اليقظة عن تسرّب "خلايا ثوريّة" تنخر أنسجة المجتمعات المحلّيّة لتزعزع الأنظمة العربيّة المعتدلة فتتتبّعها إلى مصدرها المعروف، إذ أنّ التحريض والدعم و التأليب ينطلق من " فوّارة الممانعة والمراوغة والهيمنة" "النافثة للثورات" ومن محور المخابرات الشرسة التي ترتكز عليها أنظمة الإستبداد العسكري والديني.

قوّة هكذا أنظمة تكمن في قمعها العسكري الذي تمارسه على شعبها لتخرس الأصوات المعترضة ولتجهض المحاولات الإصلاحيّة متحصّنة بحرمة السيادة داخل أراضيها، تحتمي بشعارها و تحوّلها قضيّة إستقطاب وطنيّ في وجه أي تدخّل خارجي.

لكنّها لا تجد حرجاً في توسيع هيمنتها خارج أرضها فتقتنص فرص الفوضى والوهن لدى الآخرين لتطوّقهم في عقر دارهم بشبكة "قواعد" مخابراتيّة وعسكريّة تحت غطاء "عقائدي" و"سياسيّ" و"نضالي" تابعة لها، والمثل البارز وليس الوحيد هو الحال الضاغطة في لبنان.

لقد إستنفد المحور السوري-الإيراني قسطاً كبيراً من عافية ومنجزات اللبنانيين عبر أذرعته السياسيّة و المليشياويّة التي أنشأها في لبنان.

لقد أُطلقت عروض الترهيب المليشياويّة في وجه اللبنانيين الرافضين للهيمنة الفئويّة و الخارجيّة والحريصين على النظام الديمقراطي الحاضن للكرامة الإنسانيّة والمخصّب للتنوّع والمحفّز للإبداع والعنفوان، فكانت النتيجة إلتهام لمعظم تضحيات القوى السيادية المبذولة في سبيل ترسيخ الإستقرار ثمّ المطالبة بالمزيد.

إنّ سياق القضم المتدرّج لسيادة ونظام ومقدّرات الوطن من جانب أذرعة الأخطبوط الإيراني-السوري في لبنان بلغ حداً خطراً يقارب مستوى الإستئثار بالحكم ويهدّد ب"هضم" الكيان المتميّز الذي يحرص عليه الوطنيّون المخلصون.

المفجع هو أنّ سطوة تلك الأذرعة المليشياويّة خلخلت وإنتزعت بعض الشرائح من مواقعها السياديّة وسخّرتها عنوة لتغيير موازين القوى في مجلسي النوّاب و الوزراء.

وأسفرت رحلة رئاسة الوزراء للرئيس الخارج من السراي عن سلسلة مكائد و مكامن و أفخاخ خُطّطت مسبقاً للإيقاع به وإبتزازه وجرّ بعض حلفائه إلى التنكّر لمبادئهم وعهودهم وتطلّعات مؤيّديهم والإنقلاب على قناعاتهم الذاتيّة وعلى مسيرة الإستقلال.

لبّ الهدف كان وما زال عزل لبنان عن مدى الدعم الدوليّ الحيويّ له وفصله عن التواصل مع مغتربيه لتدجين أو تهجير أهله ومسخ نظامه والتنصّل من إلتزامات الدولة اللبنانية حيال المحكمة الدولية الخاصّة بلبنان التي يتوخّى اللبنانيّون منها قطع دابر الإجرام السياسي.

وما فرط عقد الوزارة المنصرفة إلاّ محاولة للإلتفاف على القرار الظنّي عبر قرار تصدره تشكيلة وزاريّة جديدة "طيّعة" تعلن فيه إلغاء البرتوكول المعقود مع المحكمة ووقف التمويل بالنصيب اللبناني وسحب القضاة اللبنانيين رغم أنّ ذلك صعب التسويغ قانونيّاً.

بضغط التلويح بالسلاح وشهره و التهديد بإستعماله والتذكير بسرعة تحرّكه و"إكتساحه" الأزقّة والقرى الجبليّة وقصور القيادات السياسيّة تُنتزع مطالب الأخطبوط الإيراني-السوريّ و أذرعته وتُشوّه نتائج الإنتخابات وتُطوّق المقامات الرئاسيّة للتحكّم بها والإستئثار الحصري بكلّ صلاحيّاتها.

خلال ذلك و بهدف التملّق للبنانيين وإستدرار رضاهم، تُغدق وعود خادعة بإصلاح شامل يُنجز بسرعة البرق و تخفيض كلفة المعيشة ب"الرَقَى" و زيادة الأجور بطبعات جديدة من الأوراق النقديّة وتحريك عجلة الأقتصاد بإرتجاجات زعزعة الإستقرار وقوّة القدرة الشرائيّة للمسلّحين و"مذيعي" التهديدات "المحلّفين" و تأمين الوظائف ومختلف الخدمات للأزلام نيابة عن المحرومين وإن لم "يسعف الحال فليسعد النطق" من أفواه الضالعين في الفساد والغارفين من مال الخزينة والمتصرّفين بالملك العامّ والخاصّ كحقّ مطوّب لهم.

بالأمس عندما كانت الأكثرية متماسكة ومصانة أحجمت عن ترجيح كفّة خياراتها الخاصة في إستحقاقات دستوريّة تحاشياً لإقصاء شريحة "ممسوكة القرار" ووازنة في معادلة الحياة الوطنيّة وإشباعاً ل"طموح" المتحكّمين بقرارها إنتُزع الثلث المعطّل وحقّ النقض بمفاعيل قوة السلاح في "ترتيب" الدوحة.

أما اليوم وبعد إقتناص حفنة من النوّاب المتذبذبين بوهج "لايزر بنادق القنص" رجحت كفّة "القنّاصة" ولم يعد لميثاقيّة العيش المشترك والشراكة الوطنيّة حساب يُعتبر منهم بل يصحّ تجاوزه.

مسيرة الإستقلال أصيبت بكبوة لا بد من التغلّب على أذاها بوعي وصمود وعزيمة ونخوة وتضامن ونهوض وإقدام حرّاس السيادة والإستقلال.

لبنان لن يُترك رهينة وغنيمة لقراصنة الأنظمة الثيوقراطية وصيّادي الفرص والجوائز من أركان أنظمة عسكريّة بائدة من أيتام العهد السوفييتي المنقرض.

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

CONVERSATION

0 comments: