مراجعة نقدية للوظيفة الأمنية العربية/ د. أحمد محمد المزعنن


على الرغم من التداخل والتشابك الكامل بين منظومات الأمن في الدولة الحديثة على مستوى النظر والواقع العملي والممارسة اليومية ، إلا أنه بنبغي الفصل دراسيًا بين مستويات الأمن في المعالجة النقدية التي تقوم على التحليل العلمي ، بهدف الوصول إلى نتائج دقيقة وصحيحة .

إنه لمن الأمور شديدة الأهمية أن تقوم الدول العربية بإعادة النظر في فلسفة الوظيفة الأمنية ؛ وتقلل من التركيز الكمي على الحشد في المعدات والرجال ، وتركز بدلاً من ذلك على النوعية في المواصفات اللازم توافرها في رجل الأمن ، وفي رجال الشرطة ، في مجتمع مدني تحكم العلاقات بين أفراده أسس العيش المترك الآمن ،وتنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم فيه مؤسسات دستورية تحدد بشكل واضح الحدود لكل فرد من أفراده من رأس هرم لاسلطة إلى أفراد القاعدة ، وتقوم بالمراجعة الدائمة للعلاقات بين المجتمعات العربية وأجهزتها الأمنية ، ورجال الأمن من خلال تحليل مخرجات العمل الشرطي خاصة والأمني عامة ، واحترام الاتجاهات التي تكتشف نحو رجال الأمن من خلال البحوث التي لا حصر لها في هذه المجالات الحساسة.

إن الشعوب العربية تعيش في عالم سريع التغير تصغر المسافات والمساحات فيه يومًا بعد يوم ، ومن أعظم معالمه خاصية التنظيم في كل جانب من جوانب الحياة ، والتنظيم من شأنه أن يوفر شروط النمو لثقافة نظمية تزداد مساحتها يومًا بعد يوم ،وتمارس تلك القثقافة ضغوطًا حقيقية على الأنظمة لتواجه حاجات شعوبها المتزايدة إلى الحرية والإحساس بالكرامة ، وعلى الجميع أن يدرك أن سوس الناس وتدبير أمورهم بالطرق البوليسية وانشر ثقافة الخوف والرعب وضرب مكونات الشعوب بعضها ببعض ، وحشد وتجميع أجهزة البطش في مواجهة الخصوم ،كل ذلك لم يعد مجديًا ،والأمر الوحيد الضامن للسلام الاجتماعي هو توسيع وتنويع مجالات العمل في كسب الرزق أمام الناس ، ومنع الظلم والأثرة وتضييق بؤر الفساد في مناحي الحياة ،ومن لم يعتبر من الأحداث التي تسيل فيها دماء المواطنين رخيصة ،أو يظن أن هذه الدماء ستذهب هدرًا فسوف يكون أول الضحايا لأحداث عنفٍ لن تقتصر على المستوى الذي تشهده الساحة العربية حاليًا.

أولاً : في الوظيفة الأمنية

الوظيفة الأمنية مصطلح مركب من كلمتين : وظيفة Function وأمن Security ، أما كلمة وظيفة Function فتعرَّف بأنها نتيجة موضوعية لظاهرة اجتماعية يلمسها الأفراد والجماعة ، وحسب عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميرتن R. k. Merton (19190 م – 2003م ) فإن الوظيفة نوعان : وظيفة ظاهرة Manifest ، ووظيفة كامنة أو مستترة Latent ، والوظيفة الظاهرة هي نتيجة للنظام الذي توجد فيه ، وتكون مقصودة ومعترف بها من قِبَل الأشخاص الذين ينفذونها ،أما الوظيفة الكامنة فهي غير مقصودة ،ولا متعرفٍ بها من قِبَل الأشخاص الذين ينجزونها (الجوهري ،1980: 252) (Jairy & Jairy, 1991 : 242 ) وأما كلمة أمن Security فتعني في أبسط معانيها : ضد الخوف أو ضد الخطر أو السلامة من أي شكل من أشكال التهديد أو الخطر الواقعي والمتوقع ، أو حالة من الشعور بالاطمئنان من المخاطر.

وقد اعتمد موقع ويكيبيديا (الموسوعة الحرة wikipedia ) على شبكة الإنترنت التعريف الذي وضعه معهد الأمن والمناهج المفتوحة (ISECOM) : بأنه درجة الحماية ضد الخطر والضرر والخسارة والأنشطة الإجرامية أو الجنائية ، والأمن كشكل من أشكال الحماية يتكون من الأبنية والعمليات التي تزود أو تُحَسِّن الأمن كحالة.

Security is the degree of protection against danger, damage, loss, and criminal activity. Security as a form of protection are structures and processes that provide or improve security as a condition. ( المصدر : موقع wikipedia.org/wiki تاريخ الدخول 17/2/ 2011، الساعة 11و 50 د5قيقة (

الأصل الديني للوظيفة الأمنية

بدأت الوظيفة الأمنية في حياة البشر منذ بداية رحلة الحياة ، وقبل نزول أبو البشر آدم وزوجه حواء عليهما السلام إلى الأرض لبدء رحلة الاستخلاف والابتلاء والاختبار ، فقد خلق الله عبده الإنسان وخلق معه مصدر الخطر الذي حذره منه ، وهو إبليس العدو المتربص ، فقد اقتضت حكمة الله وقضاؤه وقدره أن يكون مقياس النجاح أو الفشل في الامتحان عصيان ومخالفة أو طاعة إبليس مصدر الشرور والآلام.

رصد القرآن الكريم عداوة رأس الشياطين إبليس لآدم كقدر محتوم ومن موقف أولي ابتدائي دافعه التكبر والحسد والضغينة والتعالي على أمر الله عندما أمره الله أن يسجد لعبده آدم مع جملة الملائكة ،فرفض وعصى أمر الله .

قال الله تعالى : {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (سورة الأعراف 12)

وقال سبحانه وتعالى : { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) } (سورة ص )

بدأت الوظيفة الأمنية بتحذير إلهي محكم لعبده آدم وذريته بنصوص محكمة منزلة في القرآن الكريم في مواضه كثيرة ، وتؤكد هذه النصوص الأصل الديني للأمن ووظائفه ،وأنه سبحانه وتعالى كما اقتضت حكمته أن يمتحن آدم بالشيطان والابتلاء فإن من تمام عدله سبحانه أنه أعطاه العلم والأدوات المعرفية التي يحذر بها من عدوه ، وزوده بالضمانات المؤكدة للسلامة من كل الشرور وهي تقوى الله وطاعته وتصديق أنبيائه واتباع منهجه ،ومنحه العقل والإدراك والفهم الذي إذا أحسن توظيفه في الحياة فإنه يتجنب المخاطر ويسلم من الأذى ، ويساعده على ابتكار الوسائل والأدوات المادية والمعنوية والاهتداء إلى المناهج والمعارف الضرورية لصيانة حياته وحياة جنسه.

قال الله تعالى :{ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36)} (سورة البقرة )

وإبليس من جانبه يتربص ويهدد ويتوعد ، قال الله تعالى { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)(سورة الأعراف )

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)(سورة الأعراف )

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) (سورة الإسراء)

وقال الله تعالى :{ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ (117)} { فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ (120) } فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ (121) (سورة طه )

قال الله تعالى : {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) } (سورة طه )

وفي الحديث النبوي الشريف ووقائع السيرة النبوية كثير من الأدلة والوقائع التي توضح وتكشف طبيعة وأهمية المنزلة العالية للأمن الفردي والمجتمعي ،وكانت الوظيفة الأمنية من الوظائف التي أولاها المسلمون أهمية كبيرة منذ العصر النبوي مرورًا بعصر الخلفاء الراشدين وطوال مراحل التاريخ الإسلامي .

واستمرت تلك الوظيفة تتشكل وتتنوع وتتفرع وتتخصص بعد هبوط آدم وزوجه حواء عليهما السلام إلى الأرض لتبدأ وظيفة الاستخلاف وعمارة الأرض .

والوظيفة الأمنية في اللغة العربية وفي القرآن الكريم والسنة النبوية مرتبطة أشد الارتباط في معناها ومبناها بالإيمان والأمانة في الدنيا والآخرة ، وهي ضرورة مشتركة لبني البشر كافة ؛ لأنها توفر الشروط اللازمة للحياة المنتجة ، وتحول دون استفحال الشرور ، وتغلب نزعات العدوان والانتقام ، وتعزز دور السلطة الحاكمة التي تدبر شؤون الناس ، وتحمي مصالحهم ، وهي بكل صورها وجوانبها تمثل ركيزة أساسية لا تقوم الحياة إلا بها ، ففي معناه الإيجابي تنشر الأمن والطمأنينة ، وفي معناها السلبي تمنع الخوف والقلق وتحول دون انتشار الانحراف والجريمة ،والمفاسد ، فهي بذلك طريق للأمن في الحياة الآخرة من حيث إنها تحافظ على أسباب السير في طريق الخير ،وتقاوم أو تمنع الانجراف في طريق الشر بكل أنواعه وأشكاله .

الوظيفة الأمنية في النظرية الاجتماعية

تقوم الوظيفة الأمنية في النظرية الاجتماعية على مبدأ التفويض التعاقدي من المجتمع إلى السلطة الحاكمة في الجماعة الإنسانية، وهذه بدورها تدير شؤون الجماعة بتفويض أو عقد أو بيعة تقتضي تخلي أفراد المجتمع عن جزء من الحرية الشخصية في سبيل تمتع الجماعة التي ينتمون إليها بالهدوء والاطمئنان والعيش الآمن الذي توفره الجهات المسؤولة عن الأمن،والتي تمارس وظائفها هي أيضًا بتفويض من السلطة الشرعية ، وتقوم في عملها بمنع جميع أشكال الانحراف ، والحد من تصاعد السلوك الإجرامي والتعديات الجنائية ، وتطبيق العقوبات الرادعة والمكافئة للفعل الإجرامي أو الجنائي ، وتتم جميع الجهود الأمنية في إطار هدف عام هو درء المفاسد ودفعها ومنعها ، وتحقيق المصالح وتوفير الجو المناسب لكسب وتحصيل تلك المصالح بالطرق المشروعة ، وتنميتها بحيث تؤدي إلى تطور المجتمع ورفاه أبنائه والعيش في أمن وأمان ، وهذا الهدف العام مشترك بين المجتمعات الإنسانية قاطبة على اختلافات في التفاصيل التي تنبع من التباين البيئي والثقافي والظروف الزمنية والمكانية .

وفي الإسلام تترتب المصالح التي تحميها وترعاها السلطة الحاكمة عن طريق أجهزتها الأمنية في منظومة عامة تحرص تلك السلطات على أن تكون واضحة لدى جميع أفراد ومؤسسات الشعب أو الأمة ، وتعرف هذه المصالح بالكليات الخمس الكبرى وهي : حماية الدين ، حماية النفس أو الحياة ، حماية العقل ، وحماية العِرض أو النسل ، حماية المال أو الممتلكات ، ثم تأتي بعدها في الأهمية ما يصطلح عليه العلماء بالحاجيات وتليها التحسينيات.

فالوظيفة الأمنية تعتبر من أهم وأقدم الوظائف الإنسانية ، وقد تطورت عبر التاريخ الإنساني واتخذت أشكالاً مختلفة حتى استقرت كمهنة بل مهنًا نوعية متخصصة كثيرة متعددة المسميات والأبعاد ، وترتبط في تنوعها ومسميالتها بالأخطار التي تسميها السلطات الحاكمة ، وترتبها في أولويات تؤسس فيها للفكر الأمني وتحشد العناصر البشرية وتدربها ، وتجلب لها المعدات والأجهزة التي تراقب بها تحركات العدو ،وتقوم بالإجراءات التي تراها مناسبة للبطش به فيما يسمى بالضربات الاستباقية ، أو في تصفيته في حالة المواجهات الفعلية على أرض الواقع.

فعلى سبيل المثال يشترك النظامان الحاكمان في كل من مصر بعد اتفاقيات معسكر أو مخيم داوود (كامب ديفيد) للسلام بين النظام المصري و(الكيان الإجرامي اليهودي في فلسطين ) ولمدة ثلاثين سنة ، وفي تونس في عهد زين العابدين بن علي ولمدة تزيد عن عشرين سنة فإن تشخيص العدو للنظام بأنه السلفية الإسلامية أو ما يطلقون عليه الإسلام الأصولي ، ويتبعهما في ذلك النظام الجزائري بعد نجاح جبهة الإنقاذ في انتخابات أواخر الثمانينيات التي ألغاها العسكر ، وتابعهم في ذلك نظام عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر ، ونظام علي عبد الله صالح في اليمن الذي تحالف مع أمريكا في حربها على ما أطلقت عليه الإرهاب لكي تدعمه في خططه للهيمنة على مصادر الثروة النفطية والاستئثار بالسلطة والثروة من منطلق قبلي فئوي، وكذلك الحال في الكثير من الأنظمة العربية العلمانية بدوافع كثيرة من منطلقات تصنيفها للخطر الذي تراها يهدد مكونات مجتمعاتها ، وشبكات العلاقات والمصالح التي يشكلها النظام في كل بلد ، وليس من منطلق المصالح الحقيقية للشعب الذي يقوم النظام بإدارة وتدبير شؤونه كأمانة تعاقدية تفويضية ، والسبب الرئيس في ذلك هو أنها تغلبت على الحكم وتسلطت على رقاب العباد ، وصادرت حريتهم التي خلقها الله كحق أوليّ لهم .


ثانيًا : ضرورة المراجعة النقدية ونتائجها المتوقعة

أ – مميزات الفكر النقدي

- الصدق والدقة والموضوعية .

- فكر تقويمي إصلاحي .

- فكر أقرب إلى الوسطية والاعتدال .

- فكر شامل من حيث الإحاطة بكامل جوانب القضية قيد البحث والدراسة.

- فكر يوظف أكثر من منهج علمي في التحليل والتفسير.

- فكر ملتزم بقواعد التفكير العلمي ومنطق البحث ، وطرق الوصول إلى الحقيقة .

 
ب – الوظيفة المعرفية والتطبيقية للمراجعة النقدية

- تفسير الفعل أو الحدث في ضوء إطار نظري مناسب ومرجعية معرفية مناسبة .

- فحص مختلف جوانب المشكلة أو الموقف بطريقة علمية صحيحة.

- تقديم نتائج البحث لأصحاب القرار بهدف تحويلها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ .

- البحث التوثيقي عن متغيرات المشكلة الظاهرة منها والمستترة .

- وقد يكون من نتائج المراجعة العلمية النقدية للأحداث الأخيرة وتداعياتها وملابساتها وتطورها ظهور الحاجة إلى بناء الفلسفة الأمنية العربية على أسس إنسانية وقانونية جديدة .

وتمثل المراجعة النقدية الفاحصة للأحداث الأخيرة في كل من مصر وتونس واليمن ثم البحرين وليبيا منذ التاسع عشر من فبراير 2011م ضرورة أمنية ومجتمعية وطنية وقومية ، على أن تنطلق هذه المراجعة من الرغبة في تحري الحق ، وتطبيق قاعدة أنه لا يصح إلا الصحيح ، وأن الحق واحد لا يتعدد ، وأن الباطل زائل مهما طال الزمن ، وفي ضوء التطورات الخطيرة التي تعيشها الأمة العربية حاليًا ، والأخطار المتوقعة والمحتملة على منظومات الأمن العربية فمن الواجب إعادة النظر في جميع المنظومات الأمنية العربية على اعتبار أن لا أحد معصـــــــــــــــــــــــــــــومٌ غير الأنبياء عليهم السلام ، وأخذ العبر من الأخطاء وتحديد الأيدي الآثمة التي شوهت صورة الشرطي المصري والعربي ، وأساءت إلى الأمن العربي مبنًى معنًى ،وستظل الوصمة الجماهيرية لهذه الأجهزة لاصقة برموز الأمن زمنًا لا يعلم إلا الله مداه وأبعاده .

إن الدور الذي قامت به وسائل الإعلام ، وشبكات المعلومات في صناعة الحدث الأمني وملاحقته وتطويره في كل لحظة ، والتناغم الواسع بين الرسائل الإعلامية والسلوك الفردي والمجتمعي في مسرح الأحداث جدير بإمعان النظر ، والفحص الدقيق عن طبيعة الوظيفة الأمنية ، والعوامل التي توجهها ، وحالة العجز الديناميكي عن الارتفاع إلى قراءة الحدث من منطلق علمي موضوعي ، وليس من منطلق الشعور الفج بالقوة المطلقة ، والسيطرة التي ظهر أنها ينقصها الكثير من شروط النجاح ؛ نتيجة للتراكم السيىء للأداء الشرطي، والحواجز النفسية التي كشفت عنها الممارسات المفرطة في العنف غير المبرر .

ثالثًا : وقائع الأحداث

 
المصدر في تتبع سلاسل الأحداث في مصر هي القنوات الفضائية غير الرسمية التي وثقت شهادتها كمصدر للتاريخ ، وليس فقط كوسيلة لنقل الحدث بل صناعة الحدث وتأريخه ، وتطويره وتفعيله وتصعيده للوصول به إلى صناعة ظاهرة ،وهي في ذلك تحتل مكان الصحافة وتتفوق عليها في الآنية اللحظية وفي الصورة الواقعية الكاملة (صوت – صورة – حركة – مؤثرات ) ، وزاد من إرباك وسائل السلطات الرسمية تأخرها في التعامل مع الظاهرة الجدية التي صنعت الحدث وحركته ، واضطرابه وتناقضها مع الواقع ،وفقدان المصداقية المعرفية ،والسقوط في جريمة الدفاع عن الموقف المضطرب للسلطات .

مع التسليم بأن جميع الأحداث من جانب جميع الأطراف كانت بدوافع سياسية ، إلا أننا سوف نحاول رصد تلك الأحداث من منطلق الدراسة الأمنية وذات الطبيعة الأمنية حتى لا يتشعب بنا التحليل فنغرق في تفاصيل تباين السياسات .



أ – الأحداث في مصر من 25يناير 2011م – 12 فبراير 2011م :

كانت المظاهرة السلمية الكبرى التي بدأت في 25 يناير 2011م والتي بدأت من عدة مواقع متجهة إلى ميدان التحرير هي الحدث الأكبر الذي تداعت له الأمور ، واستنفرت من أجل قمعه ومواجهنه جميع الأجهزة والجهات التي أناط بها النظام الحاكم القيام بالوظائف الأمنية ، وما شاهده الجميع من فعل الأجهزة الأمنية مجموعة من الأفعال العنيفة غير المبررة ، وسوف نبدأ بالأحداث والوقائع التي قامت بها تلك الأجهزة الأمنية والجماعات التي جندتها مما يعتبر أعمالاً جنائية إجرامية وذلك منذ اليوم الأول لتجمع المتظاهرين المسالمين في ميدان التحرير:

1. استعمال الرصاص الحي والمطاطي ضد المتظاهرين المسالمين في قمع المظاهرات في كل المدن المصرية وخاصة في السويس والقاهرة ثم في جميع المواقع التي امتدت لمواجهت أحداث العنف المضاد .

2. سيارات تُغرق المصلين بالماء فوق كوبري قصر النيل وغيره من المواقع في الظروف المناخية الباردة في شهر يناير وهو شهر بارد .

3. قنابل مسيلة للدموع في كل المواقع وبكثافة .

4. سيارة بيضاء تقتل الناس المسالمين في شارع جاردن سيتي يقال إنها قتلت عشرين إنسانًا في حركة دهم واحدة ، تبين أنها إحدى سيارتين سرقتا أو سربتا من السفارة الأمريكية.

5. أكثر من سيارة شرطة مقفلة كليًا تقتل المتظاهرين ذهابًا وإيابًا.

6. قتل شباب بالتصويب على الرأس مباشرة في الإسكندرية.

7. واقعة قتل شاب يرفع يديه ويخلع معطفه أمام شركة يرتدون اللباس الأسود .

8. أفعال عنف كثيرة ضد شباب وشيوخ ونساء وفتيات تمَّ فيها الضرب والجر على الأرض واشتراك أكثر من طرف في الضرب والركل .

9. أبشع السلوكيات التي قامت بها الجهات الأمنية كان فتح السجون والمعتقلات ،والاختفاء المفاجىء من جميع المواقع ، وإطلاق آلاف السجناء الجنائيين وتوزيع آلاف قطع السلاح عليهم وعلى أفراد الأجهزة الأمنية ، واختفاء أجهزة العدالة الجنائية بشكل كلي ؛ مما أدى إلى إشاعة جو من الذعر نتيجة للانفلات الأمني ، وانتشار حالة من التخريب والحرق والتكسير النهب والتعدي على الممتلكات في معظم المدن وخاصة في القاهرة ، ولما انتبه المواطنون إلى هذه الحالة شكلوا اللجان الشعبية للدفاع عن أنفسهم وعائلاتهم وممتلكاتهم وحماية المؤسسات العامة .

10. (ظاهرة البلطجية) بعد أن استقر المتظاهرون المسالمون في ميدان التحرير جندت السلطات آلاف الأشخاص الذين أطلق عليهم المتظاهرون وأجهزة الإعلام اسم (البلطجية) وكانوا مسلحين بكل أنواع السلاح الأبيض،وقنابل البنزين والمولوتوف لمهاجمة المتواجدين في ميدان التحرير، وبات هؤلاء المتظاهرون ليلة مرعبة تحت وابل من النيران والرصاص والسلاح الأبيض دون أن يتوفر لهم أية وسيلة مخشروعة من وسائل الدفاع والحماية قبل تدخل الجيش المصري بصورة خجولة تحت ضغط جهات خارجية وأمام النداءات المتكررة من المتظاهرين لحماية أنفسهم .

11. القناصة : حصد رصاص القنص الكثير من الأشخاص المتواجدين في ميدان التحرير وغيره من المواقع في الإسكندرية والسويس .

12. غزوة الجمال والخيول يوم الأربعاء 2 فبراير 2011م : ووقائعها ودوافعها لا تزال سرًا لم يذع عنه إلا القليل ، والمعلومات المتوفرة عنها مستمدة من وسائل الإعلام وخاصة شبكة الإنترنت وتحديدًا موقع يوتيوب.



النتائج الأولية المباشرة :



أ – في صفوف المتظارين :

- وقوع 340 شهيدًا في صفوف المتظاهرين (96 في ميدان التحرير وحده) ، وأكثر من 5000 جريح ،و4000مفقود ،وقد اكتشفت 160 جثة في المشرحة المركزية المعروفة بمشرحة "زينهم " بالإضافة أى 62 جثة في مستشفى الهرم ،ليقفز عدد الشهداء إلى 562 شهيدًا .

- وتدمير ممتلكات وحرق مبانٍ لا حصر لها ، وخسائر مادية تقدر بالمليارات كان الشعب الفقير أولى بها لو أنفقت في الطرق المشروعة .

ب – في صفوف الشرطة والأجهزة الأمنية :

- حسب ما ورد في تقرير صادر عن وزارة الداخلية المصرية في تاريخ 16 /2/2011م ما يأتي : 32 من أفرادها قتلوا منذ اندلاع ثورة الغضب وحتى الآن، من بينهم 6 ضباط ، و11 فرد شرطة ، و15 مجندا ، وبلغ عدد المصابين 342 ضابطا ، و167 فرد شرطة ، و570 مجندا.

- إحراق 99 قسم شرطة على مستوى الجمهورية ، و6 سجون مختلفة، وانهيار أسوار بعضها.

- احتراق عدد كبير من وحدات الحماية المدنية على مستوى الجمهورية وكذلك سيارات الترحيلات وسيارات النجدة، والمطافي.



ج – في مؤسسات العدالة الجنائية :

كشفت وزارة الداخلية المصرية أنها تمكنت حتى الآن من ضبط10222 سجينًا من إجمالي 23060 سجينا تمكنوا من الهرب من سجون مختلفة ، وتم ضبط 49 قطعة سلاح من أصل 2472 قطعة سلاح نارى متنوعة تم سرقتها من الأقسام والسجون. (المصدر : موقع المختصر على شبكة الإنترنت التاريخ: 12/3/1432 هـ الموافق 16-02-2011 م).



د – على مستوى الشعب :

- نتيجة لما نشرته القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت من صور مستفزة للوعي وللشعور بالكرامة الإنسانية زاد تعقيد وتشويه الصورة النمطية لدى الماطنين عن الشرطة والأجهزة الأمنية عامة؛ نتيجة لعملية تعميم إدراكي أسقطت فيها الجماهير كافة السلبيات على الأجهزة الأمنية عامة ، وتحولت إلى مظاهر من السخرية والازدراء والنقمة والعداء السافر كشفت عنه الأجهزة الإعلامية بكل أشكالها ومنطلقاتها ،وكلام الكثير من العناصر التي تنتمي إلى الأجهزة الأمنية .

- أخطار مدمرة ناتجة عن غياب الشرطة من مواقع عملها في طول البلاد وعرضها في ظل حالة من الشعور بانعدام الأمان وانتشار ظاهرة البلطجية ،وتجول المجرمين الجنائيين الذين أخرجوا من السجون في طول لابلاد وعرضها.

- ارتدت الوظيفة الأمنية إلى الأشكال الفطرية الأولية في المجتمعات البدائية البسيطة ، ولتصبح وظيفة شخصية أو أسرية أو فئوية أو نفعية ، وفقدت العنصر المدني الحضاري الذي يقوم على عنصر التفويض الشخصي والجمعي من الشعب للسلطة التي تلتزم بالعدالة والمساواة والموضوعية والحرفية المهنية الموضوعية .



ب – في تونس :



1. حرق الشاب بوعزيزي لنفسه أمام مبنى الولاية في مدينة سيدي بوزيد :بدأت الأحداث بإشعال الشاب محمد بوعزيزي النار في نفسه، وهو شاب تونسي جامعي من ولاية بو زيد لم يجد وظيفة ، فعمل في بيع الخضار إلى أن تم مضايقته من البلدية ، وبإيعاز من البلدية تلقى بوعزيزي صفعة من شرطي امرأة ، وحاول استعادة كرامته دون جدوى ، فقرر إحراق نفسه أمام مقر ولاية سيدي بو زيد .

2. ثم تكررت عمليات الموت بإحراق النفس وانتشرت موجات الاحتجاج والتظاهر وانتقل المحتجون إلى العاصمة تونس والمدن الشمالية وأصبحث الثورة حالة عامة .

3. انتشرت الاحتجاجات ومظاهر العنف في المدن التونسية البعيدة عن العاصمة ،وانتقلت شرار الغضب والثورة العارمة إلى بقية المدن والولايات ،وفشلت الأجهزة الأمنية في مواجهة ثورة الجماهير ، وامتنع الجيش التونسي عن التدخل في قمع المتظاهرين ، وقد قام المتظاهرون الغاضبون بحرق مقرات الحزب الدستوري الحاكم ،وتخريب الكثير من المكاتب الحكومية .

4. وأمام عجز الأجهزة الرسمية عن قمع الثورة هرب الرئيس زين لاعابدين بن علي من البلاد إلى مالطة بمساندة أمنية ليبية ،ثم استقر به المنفى في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية ،وفي يوم الخميس 17/2/ 2011م أذيع خبر إصابة الرئيس المخلوع بجلطة دماغية ،وأدخل المستشفى بحالة حرجة.



رابعًا : كيف نفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الأجهزة الأمنية وجماهير الشعب؟



أ - البداية

قرأت هذا السؤال في موقع (اليوم السابع) على شبكة الإنترنت ، حيث طرحه الموقع على جمهور المتابعين ، وقد حاز هذا السؤال الحيوي على تفاعل المئات من مختلف المستويات ،ولاحظت من خلال تتبعي للإجابات ثراءً معرفيًا جديرًا لدى الجمهور ،وتنوعًا كبيرًا وجدية غير مسبوقة ،وإن دل ذلك على شىء فإنه يدل على عمق الجرح في نفوس المواطن العربي الذي تسببت فيه الأحداث المؤسفة الأخيرة ،والذي كان من نتائجها وقوع ضحايا وشهداء ،وإضرار بمصالح الأمة المادية والمعنوية ،وأحدثت صدًا كبيرًا في جدار الثقة المتبادلة بين الجمهور ورجل الأمن عامة ،ورجل الشرطة خاصة .



هذا السؤال يفتح قضية لا مناص من دراستها بكل أنواع الطرق العلمية الموضوعية ، والتدقيق في كل تفاصيل الصورة المحزنة والمؤسفة التي نتجت عن السلوكيات الفردية والمجتمعية ، ولا ينبغي أن تمر هذه الأحداث دون التوصل إلى جذور المشكلات التي يربطها الباحثون والناقدون والمحللون بأسباب كبيرة مثل الفساد والدكتاتورية ،والشللية والاحتيال المستشري في المكونات العليا للسلطة في الوطن العربي ، وينبغي ألا تقتصر دراستها على الجهات الأمنية التي عادة ما توجه الدراسة بطريقة عمدية نحو النظر في السباب الكلاسيكية للحدث من منظور الانضباط والتسيب ،ولا تعترف بالتقصير ،وهو شعور يصدر من ضرورة المحافظة على الروح المعنوية المرتفعة لدى رجل الأمن الذي في سهره المتواصل لدفع المفاسد ومنعها ، والحد من تصاعد معدلاتها.

ويمكن أن ننطلق من أمثال هذا الطرح نحو استثمار شبكة الإنترنت في إجراء البحوث العلمية الجادة في ميدان الدراسات الأمنية ، وتحليل النتائج من خلال دراسات موضوعية واستقصائية متنوعة .

إن التقاعس أو التقصير في معرفة الأسباب الحقيقية والإجرائية والنظامية وأشكال الاضطراب أو التجاوز في التعليمات ، أو وجود خطط أدت إلى أمثال تلك الحوادث سيعمل على تراكم الأخطاء ، وتنامي العنف المجتمعي ، وتفاقم المشكلات الأمنية .



ب - القاعدة العامة أخلاقية بالضرورة :



1 - إن القاعدة العامة لتحقيق الغاية من هذا السؤال تكمن في التقوى ومخافة الله أولاً بمعنى تأسيس الفعل الفردي والمجتمعي على روح الدين الإسلامي القائم على الرغبة في جلب رضى الله ، والحذر من عقابه ، والطمع في جنته والبعد عما يوجب ناره، ويكون ذلك بغرس أصول العقيدة الصحيحة في نفوس الناس بحيث يصدر سلوكهم عن إرادة صادقة في فعل الخير وتحريه ،وتجنب الشر والتوقي من عواقبه الدنيوية والأخروية ، ينطلق السلوك الفردي والجمعي من مخافة الله ، وتنمية التقوى في نفوس الناس وفي نفوس رجال الشرطة خاصة ؛ لأن الخطأ الذي شوه الوظيفة الأمنية العربية في كل من مصر وتونس والجزائر واليمن وغيرها من الأقطار العربية إنما صدر منهم ابتداءً بغض النظر عمّن أصدر الأوامر أو نفذ تلك الأوامر ؛ لأن تلك الأوامر التي توجه الفعل تصدر من منظومة مؤسسية ، ولا يقلل من أخطار الممارسات الشرطية الرسمية أو يعفي الجهات الأمنية من المسؤولية المظاهرات التي قامت بها بعض جهات الشرطة بعد سقوط النظامين في تونس ومصر ملقية المسؤولية على الوزراء المختصين أو على رأس النظام الحاكم ، ومن الأمور الحيوية في المرحلة التالية ربط عمل الشرطة بمصفوفة من القيم والمثل العليا التي تُعلي من الخير الحق ، وتنفر من الشر والباطل ،وتحويل هذه القاعدة العامة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتقويم والقياس من الأمور الميسورة في ضوء التقدم العلمي والتقني المعاصر .

2 – الحل الاقتصادي الشعبي :

ويتم على ثلاث مراحل:

- مرحلة فورية سريعة : ويتم فيها تبني متابعة المبادرات التعاونية التي ابتكرها الشباب بطريقة مجتمعية تنظيمية ، وذلك بأن يتولى مهمة تنظيمها وتوسيع نطاقها خبراء العمل الاجتماعي ،ويراعي فيها اكتشاف القيادات الفاعلة في العمل الاجتماعي ،وتعميمها على مستوى جمهورية مصر العربية وتونس والبلاد التي تعاني من مشكلات الفقر ، وفي أوساط الطبقات التي قاست من التهميش ، ونشر ثقافة وتقنيات العمل التعاوني في المجالات الاجتماعية كالنظافة العامة ، والحراسات الأمنية وترميم المباني وصناعة مواد البناء الأولية .

- مرحلة متوسطة المدى : يتم فيها استيعاب أكبر قدر من الأيدي العاملة المدربة في المؤسسات العامية والشركات الكبرى والمصانع والجمعيات والهيئات وكل أشكال منظمات وأجهزة لعمل الاجتماعي الرسمية والأهلية ،ولا يلتفت في ذلك إلى أي شكوى قد يرفعها المستثمرون ،بل يجب معاملة هذه المؤسسات على قدم المساواة بهدف إحداث حالة من العمل الاجتماعي الذي يقضي على البطالة تدريجيًأ ،ويستخدم في ذلك مستويات متوسطة من التقنية.

وفي هذه المرحلة يتم فورًا توزيع أراضي البناء بواسطة جهة حكومية نزيهة وشفافة مباشرة ولا يتم ذلك بوسيط من أي نوع ،على الحكومات المختلفة بأجهزتها المتنوعة أن تبادر إلى مد قنوات المياه وتأمين شبكات الطرق العادية في الصحاري خارج نطاقات العمران في المدن المكتظة بالسكان ، وتقوم بتشجيع الطبقات الفقيرة إلى الانتقال إليها لاستثمارها وفق خطة محكمة لا تتطلب إجراءات معقدة ، وتؤكد للمجتمعات الناشئة على ضرورة إنشاء المؤسسات الخدمية بجهود ذاتية تحت توجيه وإشراف كفاءات محلية.

فعلى سبيل المثال فإنه يتحتم على الحكومة المصرية فورًا أن تضع يدها على مشروع توشكي وتعويض من قام بالشراء فيه ، وحظر التملك فيه إلا من مواطنين مصريين من خريجي الجامعات ، وتشجيع الشباب على استثمار خيرات وطنهم بتكوين مجتمعات أو تجمعات حضرية أولية تتحول تدريجيًا إلى قرى ونجوع ومدن منتجة .

- مرحلة طويلة المدى : وفي هذه المرحلة يجب إعادة النظر في توزيع مناطق العمران وخاصة على شواطىء البحار التي عزلت المواطنين عن شواطىء بلادهم ،وحجزتهم عنها بنطاقات من العمران الترفي أو الاستغلال الفئوي المتحيز ،يجب أن ينطلق الشعب إلى آفاق جديدة في التمتع بخيرات وطنه وميزات موقعها ،ولا ينبغي أن يحول أي حائل دون الشعب وهذه المواقع التي تمثل هبة من الله للإنسان الذي عاش عليها ،بدلاً من تحويلها إلى فنادق وبؤر فساد استفزازية تستفز الفقراء.

ومن الحيوي أن يعاد النظر في قواعد الاقتصاد الوطني في كل بلد عربي بحيث يخفف المسؤولون من التوجه إلى تحويل الشعوب العربية إلى شعوب خدمات بدلاً من توجيههم إلى النشاط الاقتصادي الإنتاجي .

ومن الأهمية بمكان في هذه المرحلة العودة إلى مقومات النشاط الاقتصادي الفطرية وهي : الزراعة أولاً بكل أشكالها ، والصناعات التحويلية التي تعتمد على الزراعة أولاً بهدف تأمين الحاجات الأساسية للشعوب العربية ، ثم التصدير للخارج ، إن العناية بالزراعة باستثمار كل مترٍ من الأرض الصالحة وغير الصالحة للزراعة بمستويات التقنية الوسطى والمتقدمة التي تتوفر الكفاءات البشرية العربية وبكثافة وكثرة في هذه المرحلة ،إلى جانب توزيع الملكيات بعدالة وموضوعية ونزاهة وشفافية من شأن ذلك أن يشعر الجميع بالثقة في حاضر الوطن ومستقبله من شأنها أن تجدد شباب الأمة وتربطها بوطنها ،وتنشىء مجتمعات تخلص المدن من المناطق المهمشة التي تشكل بؤر توتر دائمة .



ج - نقطة الانطلاق الرئيسة



ونقطة الانطلاق الرئيسة في ذلك هي التربية المنزلية والمدرسية والمجتمعية أو ما يُعرف بالتنشئة الاجتماعية ، وفي هذه الحقول الثلاث تقع دائرة واسعة من تحديد وتفسير عدد هائل من المتغيرات التي يجب ضبطها وتوجيهها في الاتجاه الصحيح الذي من شأنه أن يخفف من كمية الخوف ونبذ العنف وإشاعة ثقافة التسامح في المجتمع العربي.



د - الوسائل الإجرائية (برنامج عمل نظري تطبيقي )



1 - إنشاء مراكز للأحياء السكنية ، بحيث يشتمل كل مركز على نادٍ ومكتبة وقاعة اجتماعات وأماكن مزاولة النشطة الرياضية والعلمية والتعليمية المكملة،وأنموذجها الجيد (دروس خصوصية للطلاب المسيحيين في الكاتدرائية المرقصية في منطق الدمرداش بالعباسية بالقاهرة ) وهيئة رقابة سلوكية واجتماعية ولجنة إصلاح وتقويم ، ويرأسه شخصية مرموقة من سكان الحي ممن يتصفون بحسن السمعة والمكانة الاجتماعية ، ويعاونه لجان أمنية وفنية واجتماعية وثقافية ويناط بهذا الجلس وظيفة متابعة ومراقبة وتتميم عمليات التنشئة الاجتماعية، وترسيخ قيم الضبط الذاتي المرتفع للسلوك الفردي والمجتمعي.ويجب أن لا تقتصر هذه الوظيفة بأي شكل من الأشكال على أجهزة الشرطة السرية والعلنية فقط ، بل يجب أن تقوم بها في الأصل المؤسسات الاجتماعية (الأسرة والمدرسة والمجتمع) ويكمل علمها جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني بشكل تضامني .(راجع نظرية الجريمة العامة لترافيس هيرشي وجتفردسون ، 1990م)

2- الترفع عن السلوكيات التي تراكمت طويلاً من الأجهزة الأمنية ، والتي عملت على تكوين الصور النمطية السالبة عن الشرطي العربي عامة ، والشرطي المصري خاصة.

3 - رفض ممارسة الظلم نحو الآخرين أيًا كانوا ، وأن يصدر ذلك عن يقظة ضمير وترفع عن السلوك الدنىء والقيم الواطئة.

4 - الارتفاع بالمستوى المادي للشرطي العربي عامة ، والمصري خاصة ، والاهتمام بتوفير مستوى معيشي يشعر معه بقيمة عمله ، ويساعده على تحكيم قوانين الحرفة وآداب المهنة من موقف إنساني وموضوعي ووطني.

5 - تطوير برامج إعداد رجال الشرطة عامة لتجاري نظيرتها في الأمم المتقدمة(الشرطة البريطانية أنموذجًا) .

6 - تجنيد العمل الإعلامي وتوظيف النظريات العلمية في مجال علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع للتعريف بالوظيفة الأمنية عامة والشرطية خاصة ، وحبذا لو كان ذلك على مستوى الوطن العربي عامة ، والمصري خاصة.

7 - التوعية المتوازية : بين صفوف رجال الأمن والمواطنين من خلال برامج اجتماعية واقعية ومناسبات مقصودة كالحفلات في المناسبات الوطنية والاجتماعية، والتوسع في عقد وتنويع المناسبات التي تجمع المواطنين برجال الشرطة في الأندية والحدائق العامة ، وعقد المباريات ضمن دوري تنظمه أندية الأحياء في المدن والقاعات الاجتماعية في القرى.

8 - قليل من الكلام وكثير من العمل : شعار مناسب للجمع بين أفراد المجتمع ورجال الشرطة.

9 - تنظيم العمل الشرطي بصورة يشعر فيها رجال الأمن بالإنصاف والعدل والمساواة والكرامة ، ومنح رجال الشرطة الفرصة ليعيشوا حياة سوية بين أسرهم وفي الحي الذي يقيمون فيه.

10 - توظيف شتى أشكال العمل الفني (المسرح والسينما والفنون التشكيلية الأخرى ) وبشكل مقصود في إزالة جميع الصور السلبية ،وإلدعوة إلى مصفوفة من القيم الجديدة التي تعلي من شأن الأخوة والتعاون والتسامح ولاقيم الإيجابية ،وإشاعة جو من الحب والتضامن ،واستشمار الحالة القيمية والمعيارية والأخلاقية التي ظهرت وتأصلت في ميدان التحرير وتبنيها باعتبارها جزءًا أصيلاً من الثقافة المجتمعية في الشعب العربي.



هـ : خطوط عامة لإستراتيجية إصلاحية شاملة لأجهزة العدالة الجنائية العربية



1 – إعادة النظر في مصفوفات الأهداف التي تحددها السلطة الرسمية لأجهزتها الأمنية كضابط للسلوك الشرطي خاصة أو الأمني عامة ، كما حدث في الحالة المصرية بعد الأحداث المؤسفة ،عندما أعاد وزير الداخلية الجديد الشعير القديم (الشرطة في خدمة الشعب) الذي تخلت عنه الوزارة في عهد الوزير السابق.

3 – تشجيع وتنشيط الدراسات والبحوث العلمية التي تتناول شتى جوانب العمل الأمني ،وتوجيهها بطريقة مقصزدة لسبر غور الإشكالات الناتجة عن الظواهر النفسية والمجتمعية التي طرأت على المجتمعات العربية نتيجة للتغير الاجتماعي المتسارع على مساحة الوطن العربي .

4 – المنطلق الأخلاقي لوظائف أجهزة العدالة الجنائية (الشرطة ، والسجون والمؤسسات العقابية،والمؤسسة القضائية )(راجع:أبو ساق،اتجاهات السياسة الجنائية المعاصرة والشريعة الإسلامية ،2002م).

5 – دراسة التجارب الشرطية والأمنية الناجحة في بعض الدول المتقدمة ،وتطبيق ما يناسب البيئة العربية ،ويتوافق مع قيم المجتمع العربي (قطريًا وقوميًا)الذي لا يزال الدين يشكل القاعدة المركزية في تشكيل أجهزة المعايير ومصفوفات القيم لديه .(راجع : أحسن طالب ، الوقاية من الجريمة ،2001م)

6– تبسيط الإجراءات الشرطية والقضائية في مراحلها المختلفة (الضبط والتحقيق والمحاكمة)،وخضوع تلك المؤسسات لمؤسسات ومعايير الرقابة ووضعها تحت طائلة المساءلة النيابية والرقابة الشعبية المباشرة عن طريق اشتراك أهل الحل والعقد في المجتمع في متابعة العمل الأمني والاطلاع على سير تلك العمليات .

7 – إلغاء جميع المؤسسات الأمنية التي التصقت أسماؤها بممارسة الإرهاب والتعذيب ونشر الرعب والخوف غير المبرر في المجتمعات العربية .

8 – إلغاء قوانين الطوارىء وإطلاق الحريات العامة وإشاعة جو من السلام الاجتماعي التوافقي بين مختلف مكونات المجتمعات العربية .

9 – إنهاء التجاوزات لقوانين الرقابة على أعمال وممارسات الضباط والأفراد.

10 – تفعيل قوانين التي تدفع النيابات العامة وتزيد من دورها في متابعة التجاوزات والمخالفات .

11 - إثابة المحسن والمُجيد لعمله في جميع مؤسسات العدالة الجنائية ، ومحاسبة وعقاب المسىء والمخالف مهما كان انتماؤه أو مكانته الاجتماعية أو طبقت ه بين التراتيب الاجتماعية ، وتطبيق مبدأ من أين لك هذا ؟ في متابعة الثراء المفاجىء.

13 - ترسيخ عقيدة :أن العمل الأمني تكليف ومهنة لها شروطها وقواعدها وأصولها ، وليس كسبً شخصيًا أو تشريفًا لمن يمارسه .

14 – تغيير العقيدة المهنية التي تربى عليها الشرطة في نظرتهم الدونية قياسًا على رؤوسائهم ، وتنمية شعورهم بالعزة ، والمسؤولية الإنسانية والوطنية عن حفظ الأمن.



والله من وراء القصد وهو سبحانه الموفق والمستعان والهادي إلى سواء السبيل .

هذا والله أعلى وأعلم ،وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

(... والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.)(يوسف 21)

دكتور أحمد محمد المزعنن ( دكتوراه الفلسفة في العلوم الأمنية)

CONVERSATION

0 comments: