ثورات النار والبرد والدم/ د. عدنان الظاهر


ثلاثة رموز لعبت أدواراً خطيرة في إشعال فتيل وتحديد مسارات الثورات الشعبية في كل من تونس ومصر ثم الجماهيرية الليبية .
أولاً / إذا الشعبُ يوماً أرادَ الحياة ..
الحريق الذي بدأ ثم أجج حريق الثورة في تونس : شاب جامعي عاطل عن العمل تحول سلطات مدينة بني زيد بينه وبين محاولاته لتأسيس مشروع متواضع يساعده على تأمين مورد يوميٍّ متواضع كبائع خُضار متجول . تحمل الشهيد أبو عزيزي تعنت وحصار مسؤولي حكومة زين الدين بن علي وخنقه ووأد مشروعه الكثير التواضع . تحمّل هذا القهر وهذا الظلم لكنَّه لم يتحمل صفعة إحدى عناصر شرطة النظام التونسي وشتمه لأبيه المتوفى . ما كان قادراً على صفع من صفعته فكيف انتقم منها ومن نظام الحكم الفاسد الجائر وكيف احتجَّ على سكوت وخنوع الشعب التونسي ورضوخه لكل هذا الظلم والإنحراف ؟ كيف ردَّ على عهر الحياة التي خانته ولم توفر له ولوالدته وسائل عيش بسيطة كريمة وما معنى حياة لا عزّة فيها ولا كرامة ؟ قال المتنبي :

واحتمالُ الأذى ورؤية جاني
هِ غِذاءٌ تًضوى به الأجسامُ
ذلَّ مِنْ يغبِطُ الذليلَ بعيشٍ
ربَّ عيشٍ أخفُ منهُ الحِمامُ
من يهنْ يسهل الهوانُ عليهِ
ما لجُرحٍ بميّتٍ إيلامُ

أشعل بوعزيزي الحياةَ في جسده احتجاجاً من نارٍ صارخاً إنتقلت شراراته من مغرب الأرض حتى مشارقها مدّاً وجزراً . جعل من جسده وقوداً يضيءُ به الطريق أمام الشعوب لتراه واضحاً . أراد به أنْ يوقظ ضمائر الشعوب ثم حكّامها الظلمة الخونة السرّاق والمنبطحين أمام الأعداء على وجوههم وعلى جنوبهم وظهورهم.
جعل النار تتكلم نيابةً عن لسانه المُلجم بقوة شرطة النظام وعناصر قوّاتِ أمنه . حين تجد لسانك في لجام يتحرك جسدُكَ وفي حركته بركان وزلزال وهذا ما كان.
حين نطق جسد الشاب بوعزيزي تحرك الشارع التونسي ونضج السونامي وامتد وطغى موجه العاتي فأتى قصرَ بن علي واقتلعه إلى حيثُ وبئس المصير مشرّداً تلاحقه اللعنة والفضائح والشائعات ولم يجد مَن يؤويه غير حكام آل سعود . حريقٌ واحدٌ أقام الدنيا وأقعدها . حريق واحد أحرق كل ما قد كوّم الحكام الظالمون الدمويون المستبدون من أحطاب وأخشاب ومتاريس وقصور مشيّدة وحمايات وحرس جمهوري وقوات أمن وشرطة فتعالَ تفرّج يا نيرون روما . تعالَ تمتعْ واضحك واشمت بحكام العرب المغرمين بالسلطة والسلطان حتى الموت . أنت أحرقتَ عاصمتك روما لكن الشاب العاطل أحرق الشرق الأوسط . بوعزيزي أفضل منك وأرفع قدراً إذْ كنتَ إمبراطوراً أما بوعزيزي الحارق نفسه فكان يدفع عربةً تحمل الخضار صادرتها منه حكومة بن علي وحين صرخ محتجّاً لطمته شرطية على وجهه فاشتعلت النيران . هل يحرق حاكمٌ مستبدٌ نفسه ؟ كلا . أمر هتلر وقد خسر الحرب العالمية الثانية ... أمر مجموعة من ضباطه المقربين أنْ يحرقوه بعد موته . أطلق على نفسه الرصاص فمات ونفّذت مجموعة الضباط أمره فأحرقته . لم يحرق صدام حسين نفسه ولم ينتحر بل ولم يقاتل جيوش الغزاة وهو رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة وأمين سر القيادة القطرية . هرب واختبأ في حفرة لا تصلح إلاّ لسكنى العناكب والثعالب والفئران . هل سيحرق القذافي نفسه يا عزيزي بوعزيزي وأنت المثال والقدوة وسيّد فلسفة النار ؟ قال كلاّ ، بل هو ماضٍ في سبيله لإحراق ليبيا تماماً كما فعل قبله نيرون . لقد كانت ليبيا ذات يوم مستعمرة رومانية وكان الليبي سبتيموس سافيروس أحد أباطرة روما وله تمثال في وسط العاصمة الليبية طرابلس .
ثانياً / الشهيد المجهول الباسم الوجه / جسده البارد أشعل الهشيم
ركّزت وسائل الإعلام كافة على البسمة المرتسمة على وجه أحد شهداء الثورة المصرية المجهولي الهُويّة لكنها لم تلفت النظر إلى موضع الرصاصة التي اخترقت وجهه وربما نفذت من مؤخرّة رأسه . هي واحدة من رصاصات شرطة حسني مبارك وقوات أمنه المركزي . أفاد وزير داخليته السابق حبيب العادلي أنه تلقّى من مبارك أمراً بإطلاق النار على المتظاهرين خلال الأيام الأولى الثورة . هذا دليل يا مبارك ويا عادلي رآه الناس في كل حدب وصوب بشكل حفرة هي بوابة دخول الإطلاقة النارية التي اخترمت حياة شاب مجهول الأهل والجنسية والوطن إلتحق بصفوف الثوار وجاب شوارع القاهرة لا يحمل سلاحاً سوى رغبته في التغيير ، فالتغيير قانون وأس وأساس الطبيعة والحياة ، فقدّم روحه ونفسه وجسده قرباناً للثورة . برد جسده بعد أنْ أطفأ حسني مبارك وقوات شرطته جذوة وشعلة الحياة فيه فغدت برودة جسده النارَ التي أحرقت الهشيم وزلزلت الأرض تحت أقدام مبارك وحكومته وأركان حكمه فرضخ لإرادة الثورة والثائرين وتنحّى واعتزل الحياة مقيماً في المنتجع الرئاسي الخاص في مدينة ومصيف شرم الشيخ تلاحقه الفضائح وعار ما سرق هو وأولاده وما هرّب إلى خارج مصر من مليارات الدولارات .
من قال إنَّ البرودة لا تحرق ؟ الثلج حتى الثلج يحرق . النايتروجين المُسال يتسبب في إحداث حروق شديدة إذا وقعت قطراتٌ منه على الجلد .
ثالثاً / ثورة الدم / إيمان العبيدي / جان دارك ليبيا
(( لا يُنقذُ الوطنُ الجريحُ من الأذى ))
(( إلاّ إذا غطّى وعمّدهُ الدمُ ))
أحرق بوعزيزي نفسه ثأراً لكبريائه من صفعة وجهتها له شرطية من شرطة نظام بن علي في تونس فلماذ اُنتهكت حرمات الشابة الليبية إيمان العبيدي ؟ لماذا اغتصبتها كتائب القذافي وأولاده ؟ هل أرادوا كسر أَنَفة الضابط الشجاع المنشق وزير الداخلية اللواء السيد عبد الفتّاح يونس العبيدي ؟ هل انتقموا منه باغتصاب فتاة من قبيلته ؟ رأيتها على شاشة التلفزيون تبكي صارخةً فاضحة الجريمة كاشفة عن جروح ودم وكدمات في أعلى فخذها الأيمن متحدية رجال ونساء أمن النظام أمام كاميرات المصورين والمراسلين الأجانب . غطّت رأسها بعباءة سوداء واحدة من عناصر الأمن لكنَّ إيمان قاومت وحررت نفسها من قبضة ومن عباءة شرطية الأمن . هل تمتُّ إيمان بصلة قربى باللواء عبد الفتاح يونس العبيدي ؟ جائز . وا معتصماه ! وا بوعزيزاه ! ويا حُسيناه ! أهكذا يهين حكام العرب بناتهم وينتهكون شرفهنَّ ويستبيحون أعراضهنَّ ؟ حتى يزيد الطاغية المنحرف المشبوه والمطعون في دينه ... حتى هذا الذي سبى النساء في كربلاء لكنه لم يجرؤ ولم يأمر باغتصاب الحريم . ما الذي جرى لبعض المحسوبين على العرب ؟ هل من لجنة تحقيق عربية أو دولية تحقق في أمر الفتاة إيمان العبيدي وتكشف ما جرى لها وما فعلت بها ذئاب ووحوش الكتائب الليبية الأمنية ؟ يريد الناس معرفة أسباب ما جرى لها . تأييدها لثورة المعارضة لا يكفي ولا يبرر إغتصابها فالناس أحرار فيما يفكّرون ويعتقدون . إنها لم تحمل السلاح ولم تقاتل مع الثائرين . إذا كانت متعاطفة مع المعارضة أما كان كافياً أنْ يعتقلها النظام الليبي مؤقّتاً أو أنْ يتحفظَ عليها بفرض الإقامة الجبرية عليها أو أنْ يقدّمها للمحاكم لتفصلَ في موضوعها كما تقضي الأصول المعروفة ؟ ستظلُّ إيمان العبيدي الرمز الشامخ للمرأة الليبية الشجاعة حفيدة بطل المجاهدين الشهيد عمر المختار . ستصطبغُ سماء وتربة ليبيا بدم إيمان . سينقلبُ لونُ علم النظام الحالي الأخضرُ لوناً أحمرَ يُحرّك الضمائر ويُنير البصائر ويُذكّر الأجيال القادمة أنَّ الدمَ هو ضريبة الحياة والبقاء يجري في عروقهم ويسيل خارجها من رقاب المناضلين ومن أرحام البنات والأمهات . لا مفرَّ من الدم يجري فينا ويسيلُ من حولنا على أجسادنا وعلى أديم ترابنا . أمام أعيننا وفي خيالاتنا . في حاضرنا كما في الذكريات . الفضل في ذلك كله للمقدامة الجسورة إيمان العبيدي . أيها الناس حرروها . تحرّوا مصيرها واكشفوا مكان حبسها . ألا شاهت الوجوه وعميت الأبصار والبصائر . تذكّروا أيها الناس : تذكّروا البطلة الجزائرية جميلة بوحيرد سجنها وعذّبها المستعمرون الفرنسيون . لا تنسوا الفلسطينية البطلة دلال المغربي إعتقلها وعذّبها الصهاينةُ الإسرائيليون ولكن من أهان واعتدى على البطلة الليبية إيمان العبيدي ؟ أبناءُ جلدتها الليبيون من كتائب القذافي وأولاده . نعم ، ليبيون يتكلمون لغتها العربية ولهجتها الليبية الخاصة ويشاركونها تأريخ وتراث ليبيا وما ترك شيخ الشهداء عمر المُختار . أيُعقلُ هذا يا ناس ؟ أيمكن أنْ يحدث وعلى التراب الليبي وفي هذا الزمان ؟ خالفوا الشاعر المتنبي وصرخته الأخلاقية المدويّة المعروفة وقلبوها فوق رؤوسهم فسوّدوا بها تأريخهم إنْ كان لهم تأريخ يفخرون به . إنهم ، واخيبتاه ، واعاراه ، أسالوا دم شرفك الرفيع بخساً إغتصاباً أليست الضباع والذئاب أشرف من أشرفهم ؟ أليس كعب حذائك أكرم وأنبل من خُمُر وستر نسائهم ؟ بم نقارنهم وأية مخلوقات ممسوخة طلعت علينا اليوم من مغارات وجحور التأريخ السحيق وأزمنة قابيلَ وهابيلَ حيث دم الأخ حلال ودم الأخت يُراق حلالاً ؟ هل مجّدك شعراءُ العرب وكتّابهم يا إيمان وهل طالبوا بالقصاص ممن أهانوك وانتهكوا حرماتك ومقدساتك ؟ الحِداد الحِداد يا نساء العالم .

CONVERSATION

0 comments: