سيان بين احتجاج واحتجاج/ سعيد الشيخ

مشهد جديد وشديد الغرابة، ذلك المشهد الذي طالعنا به الفلسطينيون في مدن وبلدات الضفة الغربية وهم يتظاهرون احتجاجا على الاوضاع الاقتصادية المتردية في اراضي السلطة الفلسطينية.
من حيث المبدأ لسنا ضد ان يرفل شعبنا الفلسطيني بالاكتفاء والرفاهية، شأنه شأن كل الشعوب الساعية الى النهضة والتقدم. ولكننا بالتأكيد ضد هذه التظاهرات المفرّغة من الاحتجاج الاساسي الذي يجب ان يتوجه ضد الاحتلال الصهيوني الذي هو أساس كل مشاكل الشعب الفلسطيني وفي كل مكان.
تظاهرات الضفة الغربية التي تناقلتها وسائل الاعلام، يدل اخراجها على انها ليست اكثر من "ملهاة" تنسي الشعب الفلسطيني واقعه المرير في ظل حكومة افتراضية لا تملك لا سيادة ولا تقرر أمر نفسها دون الاحتلال الذي أوجدها حسب اتفاقيات اوسلو.
وبالرجوع لهذه الاتفاقيات فأنه بات من المسلّم به انها كانت مصلحة اسرائيلية بعدما تخلى المفاوضون الفلسطينيون عن الكثير من الحقوق الفلسطينية في عملية تفريط مهينة ترقى الى مستوى "العار".
لذلك كان أولى ان تقوم تظاهرات في الضفة وفي كل مكان يتواجد فيه الفلسطينيون ضد الاتفاقيات والتنسيق الامني مع العدو الاحتلالي الذي يقف في أول لائحة العار. وأيضا ضد الاحتلال نفسه الذي لا يملّ ولا يكلّ في اختراع القوانين العنصرية بغية الحاق الذل بالشعب الفلسطيني من مستوى الحضانة الى مستوى الرئاسة.
ما يتوجّب على الشعب الفلسطيني هو ان لا ينسى نفسه وواقعه، ولا يصدق انه يعيش في دولة مستقلة لها حكومتها الوطنية تخطّط تحديد الاسعار وتعيّن مستوى المعيشة... ان واقع الاحتلال الاليم المفروض على الشعب الفلسطيني قد سبق هذه المتطلبات التي تظل صغيرة امام التحدي الوجودي الاكبر المتمثل بالاحتلال ومشاريعه الاستيطانية القائمة على قدم وساق والتي تبتلع الوطن الفلسطيني.
هذه المتطلبات الصغيرة ما كنا نجرؤ مجرد التفكير بها ايام عهدنا بالمقاومة الفلسطينية منذ سبعينيات القرن الماضي على اعتبار انها فردية وشخصية، يومها كنا ندفع من مخصصاتنا الضئيلة من أجل الثورة والعمل الفدائي في سبيل تحرير فلسطين، ولم يكن أحد منا ينتظر راتب آخر الشهر لأننا كنا نعتبره من العيب!..
البيئة التي احتضنت هذا النقاء وهذه الشهامة ما زالت موجودة، نعم.. هي في مخيمات شعبنا المنتشرة في لبنان وفي كل البلاد العربية... وهذه المخيمات ما زالت تعيش على اللظى وتنام وتستيقظ على لحم بطنها، وحلمها بفلسطين المحررة لم يهلكه الجوع ولا متطلبات المعيشة!..
ان من يخطط لهذه الاحتجاجات لا يبدو انه يعيش الواقع الفلسطيني المرير، بل في عالم افتراضي تتحكم به الانانية وعدم الشعور بالمسؤولية الوطنية.. وهنا لا يفهم من كلامنا بأننا ندافع عن أية حكومة فلسطينية كانت في رام الله أو في غزة، بل نحاول بقدر المستطاع ان نضئ الطريق لمصالح الشعب الفلسطيني العليا، بعيدا عن اجندات الانقسام وأصحاب الامتيازات والمتنفذين في مقدرات الشعب الفلسطيني.. ولذلك نحضّ لاطلاق صرخات الاحتجاج في شوارع فلسطين ضد الفساد والمفسدين، وضد الاستبداد والمستبدين، وضد الاحتلال والمحتلين.
ليتذكر المحتجون في مدن الضفة على غلاء الاسعار اخوتهم في مخيمات الشتات واحلامهم الكبيرة. وليرتقوا بأحلامهم الى مستوى احلام كل الشعب الفلسطيني في الشتات وفي الوطن المحتل، وهو حلم الحرية واقامة الدولة الديمقراطية المدنية المستقلة.
سيان بين احتجاج واحتجاج، وبئس حلاوة راتب عال واسعار منخفضة في ظل واقع وطني مرير.        

CONVERSATION

0 comments: