الشيخ والمحكمة/ جواد بولس

آمنتُ أنّ حرية التعبير هي مقدّمة لحياة مجتمع يبغي الرقيّ والتقدّم والازدهار. وكتبت أن قمع هذه الحرّية في أي موقع ولأي سبب هو أمر شائن ومذموم.
استعمال حرية التعبير بشكل صحيح وفي خدمة الرأي، مهما عاكس واختلف مع رأي آخر، هو من بشائر نضوج المجتمع وسلامة ثقافته ورقيّها، وهو كذلك شهادة لبلوغ أفراده درجات من التطور الفكري التي تغني ذلك المجتمع وتؤمِّن عوامل نجاحه وسعادته.
إلى ذلك، أشير إلى أنّ هنالك حدًّا فاصلًا بين حرّية الرأي والتعبير وما قد يتحوّل ليصير تحريضًا وترهيبًا وقذعًا وما إلى ذلك. كل هذه هي أفعال غير محمودة ومرفوضة وفي بعض الحالات تكون مخالفات قانونية ودائمًا تحسب كممارسات غير أخلاقيّة، نتائجها ليست في صالح المجتمع ولا في صالح أفراده، على الرغم من أن صاحبها  يؤمن بحقه في قولها والدعوة لها. هذه مسألة واسعة، قولبتها في ضوابط "مقدّسة" شأن يحتمل الإعجاز ودائمًا يحمل الخطأ والمخاطأة.
وواقعنا في إسرائيل علّمنا كم مطاطيّة هي قواعد هذه القضية، وكم هي بعيدة عن الموضوعية والنزاهة والعدل. فالتحريض علينا كعرب كان شائعًا وأصبح سائدًا إلى درجة دعوات بعض "السادة" اليهود إلى قتلنا، وبعضهم تفنّن في وصفنا بالثعابين والصراصير وما إلى ذلك من الزواحف والقوارض التي لا يحل فيها إلا القتل. مطلقو هذه النداءات لم يعاقبوا على الأغلب وحجة الدولة اتكأت على اعتمادها حرية التعبير والرأي كحق أساسي للمواطن، حتى وإن كان قائله مذمومًا والرأي ممجوجًا ومرفوضًا.
هكذا تشاوفت ديمقراطية الدولة بإتاحة ممارسة حق أساسي تحترمه الأمم، لكن هذه السيّدة عاجزة حينما يكون العربي هو السائل لحقّه والواقف على عتبات دار العدل والقانون. لذا سمعنا، ونسمع اليوم أكثر، عن قادة عرب ورجال دين عرب يلاحقهم قانون الدولة وتتهمهم نيابتها العامة إثر قول أو خطبة أو تصريح، ويتحولون بين ليلة وضحاها إلى متهمين يكابدون ويدفعون أثمانًا لم يدفعها نظراؤهم من اليهود.
آخر ما سمعناه كان قرار محكمة صلح الناصرة التي أدانت الشيخ ناظم أبو سليم بمخالفة التحريض على العنف والإرهاب، وحكمت عليه بالسجن الفعلي لمدة ثلاثة أعوام.
لم أتعرَّف على الشيخ ناظم ولم أسمعه خطيبًا. ما أكتبه مبني على ما قرأت وهذا يكفي، فالمخالفة التي أدين بها الشيخ مبنية على ما دعا إليه في خطبه الملقاة في جامع تؤمّه جموع المصلين وفيها، كما جاء في الصحف، دعوات إلى العنف وإشادة ودعم لمنظمات تعتبرها إسرائيل منظمات إرهابية. أنا لا أوافق على ما كان الشيخ ناظم يدعو إليه، كما جاء في الإدانة، وكنت أتمنى أن لا يقول الشيخ ما قاله وأن لا يخطب إلا بالألفة وداعيًا للمحبة. كنت أتمنى عليه وعلى كل صاحب منبر ومنصة ولسان ذرب فصيح أن لا ينطق إلا بما يؤلف بين القلوب ويوحّد الدماء وينهى عن حقد وحسد وكراهية بين الإنسان وأخيه الإنسان.
هكذا كنت أتمنى، أمّا وإن آثر هو أن لا يفعل، وسار بنهج فيه من البلاغة ما يزعج ومن الفصاحة ما يحزن، فهذا أمر غير مستحب ومرفوض. ولكن بين هذا وبين إحالته إلى القضاء واتهامه والحكم عليه بالسجن لثلاثة أعوام كل البعد واحتجاجي. فوفقًا لما قرأت فلقد أقرت القاضية أنّها بصدد قضية استثنائية وان الدولة لم تتقدم في الماضي بمثل هذا الملف ولم تطلب إيقاع مثل هذه العقوبة، أي أنها قضيّة "بكر".
من المعروف بين معشر وأهل القانون أن قواعد العقاب في المسائل الجنائية تقضي بعدم استنفاد العقوبات على متهم تعتبر قضيٌته قضية "بكر" وذلك لتعويد العامة على مناخ مستجد وتدريج العقوبات مع مرور الزمن وقياس ردات الفعل بما يحكم الجريمة في ميزان الردع المرجو والعقاب اللازم. أمّا الأهم عندي هو قراءتي لكون هذه الإدانة تجسّد عمليًا سياسة التمييز العنصري التي مارستها أجهزة الدولة عندما أعفت يهودًا صرحوا بما هو أخطر بدرجات من تصريحات الشيخ ناظم، ودعوا إلى ما يصبح في ساحتنا رياضة قومية يهودية تسعى إلى اصطياد الضحايا العرب كما صرَّح به وأجازه مثلًا كاتبو كتاب "توراة الملك".
لا أعفي الشيخ ناظم من مسؤولية وجسامة تصريحاته، إن قالها في الواقع كما كتب، فهذه مقولات تسبب الأذى لعموم مجتمعنا وتعود علينا بالمصائب. وأمثاله ممن يتبوأون المنابر ويمتلكون ناصية اللغة وملكة الحناجر، يضطلعون بمسؤولية يجب أن يحرصوا على القيام بها بأمانة في خدمة بناء مجتمع سليم معافى خال من دعوات التشظي والتشرذم والتطيّف. ولكنني آسف أكثر لما قامت به نيابة الدولة وما حكمت به المحكمة فلقد كان هذا برهانًا على تجسيد سياسة عنصرية ولم يكن برهانًا على حساسية هذا النظام على أمن وسلامة الجمهور.
"المحكمة حكمت بهذا الحكم ليكون رسالة واضحة بأن دولة إسرائيل لن تقبل بأيديولوجية ذات صبغة عنيفة وإرهابية دون أن يدفع عليها بشكل معتبر" هكذا بررت ناطقة باسم المحكمة الحكم على الشيخ ناظم ولهذا التبرير ولكونه غير صادق أسجل موقفي بحق عقوبة أنزلت ليس باسم العدل والمساواة والقانون. 
أما نحن، الجماهير العريضة المغبونة، سنستمر في نضالنا من أجل نيل حقوقنا ومساواتنا أمام المحاكم والقانون، ونضالنا من أجل عيش في مجتمع يدعو فيه شيوخه وكهنته وقيادته إلى نبذ العنف واحترام الحياة والحرية وحقنا بالاختلاف مع الآخر في الرأي والموقف دون أن يؤدي ذلك لإعلاننا كفرة ولا خوارج ولا أعداء ولا جهلة.
فليفك الله أسرنا من كل ظلم وظالم وليفك الله أسرك يا شيخ من كل شدة وهفوة وليهدنا إلى ما فيه خير وصواب وحق.  

CONVERSATION

0 comments: