سجال فلم النبي نوح بين الدين و السينما/ فراس الور

في السادس عشر من الشهر الحالي (أذار) لهذا العام 2014 شاهدت حلقة من برنامج يحدث في مصر على قناة MBC MASR  للإعلامي شريف عامر حيث كان يستضيف ضيفين للنقاش حول فلم نوح الذي سوف يتم إطلاقه لشاشات العرض في نيسان القادم، و فلم نوح هو من إنتاج ثلاثة شركات هم شركة باراماونت العالمية و مؤسسة ريجنسي و ايضا مؤسسة بإسم بروتوزوا و هو من إخراج المخرج دارِنْ ارنوفسكي، هذا الفلم من بطولة مجموعة كبيرة من الفنانين الأجانب من بينهم راسِلْ كُرو و جينوفر كونلي و انثوني هوبكنز و إما واتسون، و قد كتب السيناريو و المعالجة لهذا الفلم آري هاندل و دراين ارنوفسكي مخرجين تعود أصولهما الى الديانة اليهودية و قد تعاملا معاً بأعمال سابقة من بينها فلم البجعة السوداء Black Swan في عام 2010، و أرنوفسكي هو طليق الممثلة راتشيل وايس بطلة فلم المومياء و عودة المومياء The Mummy & The Mummy Returns . 
في حقيقة الأمر ما لا يعلمه الكثير عن أجواء الفن بإمريكا ان أكبر شركات إنتاج للأفلام السينمائية بهذه القارة الكبرى هي بإدراة اليهود، و هذا ما أكده لي وزير سابق بالدولة الأردنية حين كنت بإجتماع معه لأسأله عن دعم لرواية لي باللغة الإنجليزية كنت اسعى لطباعتها بدولة غربية، اليهود من يديرون عجلة الإنتاج بهوليود مسرح النجومية بالغرب الذائع الصيت، و لذلك اصحاب هذه الشركات الكبيرة و التي تتمتع برأس مال كبير هم مِنْ أكبر حاملي رؤوس الأموال بالغرب عموما و أمريكا على وجه التحديد، و لكن بالرغم من هذه الحقيقة الأجواء الفنية بالغرب ليست مُسَيًسَة من قبل دين مُعَيًنْ، فالحريات و الإبداع بهذه القارة تُعْطِي مساحة كبرى للكتاب و المخرجين و المنتيجين بصنع افلامهم بحرية مطلقة لطالما لم تُرَوِجْ لمادة تحتوي على انتهاكات انسانية او مدارس سياسية لا توافق عليها السياسة الأمريكية و البيت الأبيض فعندما يقوموا بالإنتاج بأمريكا تعلم هذه الشركات أنها تقوم بعملية الإنتاج للمجتمع الأمريكي الذي يتضمن المسيحي و المسلم و اليهودي و الهندوسي و البودي و الملحد، بل تأخذ بعين الإعتبار أن هذه المواد قد تلاقي رواجا كبيرا حول العالم ايضا بما أن الفلم الأمريكي هو من أكثر المواد التي تُعْرَضْ بالسينما حول العالم، فهذه الحريات هي ما تتميز بها أمريكا و هي مِنْ أكبر مُوَلِداتْ المؤسسات الإعلامية الناجحة و الشركات الفنية و الحركة الأدبية بتلك البلاد و قد تكون سبب من الاسباب المباشرة لعملقة الثقافة الأمريكية حول العالم و في بلادنا العربية، فرؤية الدستور الأمريكي هي ليست دينية كما هو الحال بعالمنا العربي، فالإنسانية و روح المواطنة و الهوية السياسية و الحرية المطلقة للمواطن الأمريكي هم نقاط انطلاق الدستور الأمريكي ليتعامل مع مؤسسات الدولة و حقوق المواطن الأمريكي و البرلمان و لِيَكْفَلْ بالتالي الحريات التي تحتاجها الحركة السياسية و الإعلامية و الأدبية و الفنية بأمريكا...و هذا سببه إعلان الإستقلال “The Declaration of Independence”  الذي كتبه ثوماس جيفرسون عند إعلان أمريكا بلادا مستقلة في القرن الثامن عشر، و كانت أمريكا حينها تتألف من ثلاثة عشرة مستعمرة فقط لا غير، 
نحن نتكلم عن حضارة كبرى رأت التعملق بسرعة كبيرة بأقل من ثلاثمائة عام بسبب نقاط الإرتكاز سالفة الذكر التي يرتكز عليهم الدستور الأمريكي و بسبب إعلان الإستقلال الأمريكي، لذلك لا يشعر الكاتب و المنتج و المخرج و شركات الإنتاج بأمريكا أن هنالك عائق أمام حركتهم الفنية و هم يقومون بإنتاج موادهم الدرامية، لذلك بالنسبة اليهم فلم مثل نوح لا يُشَكِلْ مشكلة اليهم فَهُمْ لا يقومون بالإنتاج للمسلمين فقط...بل للمجتمع الدولي حول العالم بأسره، لذلك أخذت هذه النقطة حَيًزْ نقاش فقط بمنطقتنا الشرقية لأنها تَهُمْ فقط المجتمع الإسلامي حيث لا يوافق الدين الإسلامي البَشَرْ على تجسيد شخصيات الأنبياء بالافلام الدارمية، فَبِسُرْعَة تفاقم الصراع على هذا الفلم ليأخذ صِفَةْ سجال على صُنًاعِهِ الذين أنتجوه كمادة درامية للترفية و للربح المادي و ليس لإستفزاز مشاعر المسلمين نهائيا، فالفلم لا يحتوي على مواد مسيئة لشخص النبي نوح إطلاقا، بل يقوم بتجسيد الواقع و البيئة التي عاش بها نوح و الصراع بَيْنَهُ كرجل بار أمام الله و نبي و بين المجتمع الذي رفض جزء كبير مِنْهُ الإنصياع لإنذاراته المتكررة لقدوم الفياضان و للتوبة و الرجوع الى الله عز و جل، 
لذلك يجب ان نضع النقاط على الحروف بهذا الأمر لكي لا يخرج هذا السجال عن مسار النقاش المُتَحَضِرْ او ربما لكي لا يُسَيَسْ من قبل من يخطئوا الظن بِهِ و يروا بمادته خرقاً لقواعد الإسلام...فالمنتج هو غير مسلم بل ينتمي الى مجتمع يَتَمَتًعْ بفكر مدني حُرْ يقوم بإنتاج فنون لِيُسَوِقَهَا للعالم بأسره، و الفلم لا يحتوي على مادة تُهينْ شخص النبي، و تجسيد الأنبياء في المواد الدرامية شيئ توافق عليه اليهودية و المسيحية، فالمشكلة فقط محصورة بِقُدْرَةْ الديانة الإسلامية التي نحترمها جميعا على استيعاب هذا الأمر أم لا، و هنا يجب التَفَكُرْ كثيراً قبل ان نحكم بالإعدام على هذه المادة الدرامية، فيجب ان يكون منطلق الرفض ليس المقصود به خلق احتقان بين الديانة الإسلامية و بين العالم الغربي، فنحن كعرب نعيش بعالم ينتمي الى حضارات مختلفة تتضمن أديان عديدة و اتجاهات فكرية كثيرة و الأمم المتحدة تُشَجِعْ كثيرا الإنفتاح الفكري للشعوب على بعض، ليس بقصد ذوبان ثقافات الشعوب ببعض بل من منطلق مصالحة الشعوب مع بعض و خلق ثقافة تعايش بناءة بين بلدان العالم و الحضارات المختلفة...لذلك على ضوء هذه المعلومة مُنْطَلَقْ الرفض لهذا الفلم يجب ان يكون واضحا و يتم تنويه السبب عنه بِكُلْ شفافية...بأن نُقْطَةْ تجسيد الأنبياء لا يوافق عليه الإسلام، فَعَرْضْ هذا الفلم بدور العرض العربية أو مشاهدته من قِبَلْ المسلمين على الإنترنت لا يعني أن المسلم يوافق عليه كمادة درامية بتاتا، فالكنائس موجودة بقلب العالم الإسلامي و تُحْيٍ طقوسها بكل يُسْر و الإسلام لا يَتًفِقْ مع جزءا من شعائرها، و الإنجيل يُبَاعْ بالأسواق و يتم تداوله من قبل المجتمع العربي و هو ليس كتاب رسميا يوافق عليه الدين الإسلامي، فالعيش مع نقيض مُعَيًنْ بحياتنا كبشر هو جزء من كينونتنا الإنسانية لأن هذه سِمَه من سمات العقل...التَنَوُعْ بالفكر و المذاهب الفكرية، و اسأل هنا سؤال مُهِمْ قد يكون الفَيْصَلْ بهذه القضية، هل تستيطع منع الفكر الإنسانية و عقل اي مُسْلِمْ من الخيال؟ طبيعة فكر الإنسان الخَلًاقْ و المُبْدِعْ يَنْطَلِقْ من الماديات اللتي تحيط بِهِ فَلَيْسَ من المعقول ان تُلْجِمْ الفِكْر البشري، لذلك من المستحيل على مستوى العقل و الفكر ان يؤمِنْ اي إنسان عاقل ان فكر الإنسان المُسْلِمْ لم يُطْلِقْ العنان في لحظة من اللحظات لِيَتَخَيًلْ النبي (عليه الصلاة و السلام) في مُخَيِلَتِهِ، لِيَرْسُمْ له ملامح إنسانية مُعَيًنَة، و كذا الحال بالنسبة لباقي الأنبياء فَهُمْ بشر بالنهاية يَتًسِموا بهذا العقل الخلاق...فإن أَرَدْتُمْ منع تجسيد الأنبياء من المواد الدرامية ما الجدوى فَلَنْ تستطيعوا مَنْع العقل مِنْ التخيل و إستنباط هيئاتهم البشرية؟ 
ليس المقصود من هذا الكلام خَلْق مشكلة بقدر ما المقصود مِنْهُ خلق مُتَنَفَسْ لكي يقبل العالم الإسلامي هذه الافلام بالمحيط الثقافي لِدُوَلْ الجوار فقط...أما ثوابت الدين الإسلامي فلها كل احترام و تقدير، فإذا آخذنا مرآة و نظرنا بها سَنَرَى انعكاسات لعالمنا المادي من خلالها، فَتَعْكِسْ هذه المرآة الواقع المادي من حولنا، و هذه هي السينما و الدراما، انعكاس للواقع المادي من خلال فكر الكتاب و المخرجين الذين يصوروها على الفلم من خلال عدسة الكاميرا...      

CONVERSATION

0 comments: