الرُمّان/ د. عدنان الظاهر

 
هل كانت أغنية أم كانت أهزوجة شعبية شاعت في العراق في أحد الأزمان الغابرة ؟
زارتنا ذات يوم في بغداد عائلة كانت تربطنا بها علاقات عائلية قوية. بعد السلام والترحيب وتقديم واجبات ومستلزمات الضيافة العراقية المعهودة سألتني إحدى بناتهم وكانت طالبة تدرس في إحدى كليات جامعة بغداد : أستاذ ... ما معنى " جلجلْ عليَّ الرمّان نومي فزعلي " ؟
فوجئت بهذا السؤال ودُهِشت ! سألتها ما الذي خطر على بالها لتسألني هذا السؤال ولِمَ لمْ تسأل والدها مثلاً أو والدتها أو إحدى شقيقاتها ؟ قالت إنها سألت بعض هؤلاء لكنها لم تحظَ بجواب من أيٍّ منهم وإنَّ بعضهم إبتسمَ ثم ضحك متهرباً من الجواب. أضافت : حزّرني بعض زملائي في الكلية هذه الحزورة ولما عجزتُ ولم أعرف الإجابة الصحيحة إقترح عليَّ أحدهم أنْ أسأل أستاذاً جامعيّاً هذا السؤال وأساتذة الجامعات لا شكّ يعرفون كل شئ وهم دكاترة وخبراء في كل شؤون الحياة. كان هذا الزميل يعرف أنَّ لنا قريباً أستاذاً في جامعة بغداد فوعدته أنْ أنفّذ المهمة وأطرح السؤال على الأستاذ قريبنا. 
ما أجيبُ وكيف يكون الجواب ؟ ورّطها زميلٌ لها خبيث القصد والسريرة وهو لا ريبَ يعرف القصة وما فيها لكنه دفع بزميلته في طريق المخاطر والمزالق.
أأقولُ لها لا أعرف الجواب وأغلق الموضوع جملةً وتفصيلاً وبذا أبيّن لها أني لا أستحق أنْ أكون أستاذاً جامعياً ولا احمل شهادة دكتوراه وأصدمُ قناعاتها وأخيّب آمالها لأنها ومثيلاتها وأمثالها يتصورون أنَّ الأستاذ الجامعي هو دائرة معارف وإسكلوبيديا متحركة وساكنة بل وأحيانا علاّم الغيوب ؟ عيب يا رجل. لا تخيّب ظنها فيك وتوقعاتها منك. عيب.
فكّرتُ وتشاغلتُ عنها وجعلت غيري من بين الحضور يشغلها عني ويشغل بها نفسه لألتقطَ أنفاسي وأفكّر جيّداً في هذه الورطة وكيف أنقذ نفسي منها رافع الرأس موفور الكرامة من غير الحاجة للإنزلاق والتفريط بالهيبة والصورة المثالية المعروفة عني. هل كنتُ سأجيبها لو كنا وحيدين لا عائلتها معنا في بيتنا ولا عائلتي معهم في بيتهم وكيف كنتُ سأجيب ؟ مشكلة يُزيدها التفكير والتفلسف تعقيداً وكلما قلّبتُ الوجوه أجد نفسي مُحاصَراً مُختنقاً تضيق السبلُ بي وتظلُّ تضيق وتضيق ومن ثمَّ تنغلق عليَّ وعلى نفسها السُبلُ.
قلتُ لها تعالي هنا واجلسي جنبي. رحبت بالفكرة ولم تسأل لماذا. قلت لها بصوت خافت لا يسمعها غيرها : هذا سؤال مُحرج وكان مقترح زميلك خبيثاً أراد به إحراجك وإحراج الأستاذ الذي ستسألين. أخذها العجب وقالت ما وجه الخبث في هذا السؤال وليس فيه سوى الرمّان والنومي وهما فاكهتان معروفتان منذ القِدم خاصة الرمان وهو مذكور في القرآن الكريم ؟ ماذا أقولُ لهذه الصبيّة الجامعية ؟ 
فكّرتُ ثمَّ قلتُ لها ستجدين الجواب في كتاب سأصطحبه معي في زيارتنا القادمة لكم في بيتكم وعلى الأغلب عصرية الخميس القادم. تعجّلت الأمرَ وطلبت الكتاب فوراً لتعرف سرّ الحزورة الخبيثة. طمأنتها أني لن أنسى الموضوع وإني سأجلبه معي في زيارتنا القادمة لهم. قالت وما المانع في أنْ أرى الكتاب الآن وأقرأ ما فيه حول هذه الحزورة ؟ الكتاب ليس في حوزتي لكني كنت قد قرأته في فترة سابقة وفيه ذِكْرٌ لأمر شبيه بأمر سؤالك وحزورتك. سأستعير هذا الكتاب من مكتبة الكليّة وأحمله لك وأنا ممنون. شكرتني وبقيت متشوّقة لقراءة ما جاء في هذا الكتاب وأقسمت أنها سوف لن تدع زميلها الذي ورّطها يتعرف على مصدر الإجابة الصحيحة وليبقَ سادراً في غيّه وجهله وعماه.
حلّت عصرية يوم الخميس الموعود وكانت هي وكامل عائلتها في انتظار وصولنا في الخامسة وكانت هي بالذات أكثر الجميع شوقاً لهذه الزيارة والسبب معروف. إستقبلتنا لدى بوّابة حديقة دارهم الخارجية وكانت متأنقة كأنها ارتدت أجمل وأفضل ما لديها من ملابس وتعطّرت بأفخر العطور. ما كان أعظم سرورها إذْ رأتني أتأبط كتاباً لا شكَّ إنه الكتاب ـ المصدر الموعود. طلبته مني فناولتها إيّاه وفي حجرة الإستقبال الواسعة والرائعة التجهيز والتنظيم إنتبذت ركناً وشرعت تقرأ الصفحة التي نصحتها أنْ تبدأ القراءة بها. نسيت الضيوف ونسيت أهلها ونفسها وانصرفت تقلّب صفحات الكتاب حتى استقرت على صفحة معينة وبدأت تقرأ :
(( ... وهكذا أصبح جمال الموشّحة يُقاسُ بقدرة الوشّاح على أنْ تكونَ كل كلمة في موشحته نغمة حلوة رشيقة وكأنما أعطتهم لغتنا من نفسها كل ما تملك من نغمات وإيقاعات ليؤلّفوا هذه العقود من الألفاظ، بل هذه الدُرر من الأصوات التي تنهمر على سامعها ألحاناً راقصة تُشيع فيه نشوة من الفرح الموسيقي على نحو ما نسمع في مطلع موشّحة لإبن  هَروْدَسْ إذْ يقول :
يا ليلةَ الوصلِ والسعودِ              باللهِ عودي
كم بتُّ في ليلة التمنّي
لا أعرفُ الهجرَ والتجنّي
ألثمُ ثغرَ المُنى وأجني
من فوق رمّانتي نهودِ             زهرَ الخدودِ
وتمضي الموشحة على هذا النمط وكأنها بحر من النغم تغرق الأذن في خضمّه )) [1].
رفعت رأسها ـ بعد أنْ قرأت هذا الكلام عدّة مرات ـ ونظرت إليَّ بعيون منشرحة مبتسمة شاكرة ثم تركت مكانها وجلست معي على نفس الأريكة. سألتها هل فهمت جواب الحزورة ؟ لم تنطق بل هزّت رأسها مرات عديدة وأحد أصابع يدها لا يترك صفحة معينة في الكتاب.
هل أسألها فيما قرأت أمَّ أنَّ الأمر يحرجني أمام هذه الفتاة الجامعية التي وقعت في فخ نصبها لها أحد زملائها ليحرجها ويُحرج آخرين لهم علاقات قربى مع عائلتها ؟
طلبت مني أنْ أعيرها الكتاب لأسبوع واحد فقط. إعتذرتُ لكنها ألحّت ووسّطت أباها فوافقت على مضض لأنني استعرته من مكتبة الكلية ليومين فقط.
ظلت طوال الوقت منصرفة للكتاب ولصفحة معينة فيه ناسية المكان والوجود والضيوف حتى أنها لم تشربْ عصير البرتقال البارد الذي جهّزته وحملته لنا شقيقتها الكبرى.
خرجتْ مع باقي أفراد عائلتها لتوديعنا والكتاب على صدرها. حين جلست خلف مقود سيارتي مدّت رأسها وقالت : جلجل عليَّ الرُمان نومي فزعلي . ضحكتُ وأنا أدير مفتاح تشغيل ماكنة السيارة وضحكت عائلتي معي طويلاً.
إستطراد :
ما علاقة الرمّان باسم المدينة الإسبانية الشهيرة " غرناطة " ؟
الجواب في الإسم نفسه ولكن كيف ؟
تكتب غرناطة بالكثير من اللغات كما يلي :
Granada 
ويُكتبُ اسم فاكهة الرمّان كما يلي :
بالإنكليزية
Pomegranate
وبالألمانية :
Granatapfel
ثم أطلق أحد مترجمي وزارة الدفاع العراقية في العهد الملكي اسمَ " رمّانة " على القنبلة اليدوية لأنها كروية ولها رأس شبيه ببقايا زهرة وكأس زهرة الرمّان كما يعلم الجميع. 
الآن أليست العلاقة واضحة وقوية بين فاكهة " الرمّان " واسم المدينة الإسبانية التي كانت آخر المدن التي أسقطها الإسبان زمن ملكها أبو عبد الله الصغير ؟
يبقى السؤال : لماذا وما سبب هذه العلاقة ؟ هل كانت مدينة غرناطة شبيهة بفاكهة الرمان فأسموها كرانادا وعرّبها أجدادنا العرب فأسموها غرناطة ؟ ما وجه هذا الشبه ؟ أكانت المدينة أصلاً مزارع فاكهة الرمان فأخذت اسمها من اسم هذه الفاكهة ؟ زرت مدينة غرناطة صيف عام 1982 لكني للأسف لم أسأل هل هذه المدينة شهيرة بزراعة أشجار الرمان بل ولم أسأل هل هذه الفاكهة متوفرة في هذه المدينة ؟ بلى ، حين زرتُ مدينة " المريّة " وجدتها تعجُّ بفاكهة التين الأبيض والأسود وبالبطيخ ( الشمّام ) والركي ( البطيخ ) لكن لا من علاقة بين اسم هذه المدينة الإسبانية المُطلّة على سواحل البحر الأبيض المتوسط وبين البطيخ أو الركي.
أمضي أكثر قليلاً فأُثيرُ مسألة اسم الصخر الصلد المعروف " كرانيت "
فهو صخر أحمر اللون تُستخرج منه فصوص الكرانيت الحمراء وتُستخدم كفصوص للخواتم وباقي حليِّ وقلائد النساء.
هل نستنج أنَّ العامل المشترك بين اسم مدينة غرناطة خاصة وحجر الكرانيت هو اللون الأحمر ولذا سُميَّ قصر الحمراء في غرناطة بهذا الإسم ؟ أفتونا يا مؤرّخون وفنانون وخبراء الأحجار الكريمة أفتونا مأجورين.
[[1]] في النقد الأدبي بقلم شوقي ضيف. دار المعارف بمصرالطبعة الثالثة، القاهرة, خلو من تاريخ النشر. الجزء الخاص ب " أوزان الشعر وقوافيه " الصفحات 99 ـ 109 . 

CONVERSATION

0 comments: