إنها حرب الميسوديت/ صالح الطائي


لا شك أن أمريكا تتحرك في أرجاء العالم اليوم وفي يدها اليمنى سلاح فتاك ماض، وفي يدها اليسرى الصليب والتوراة. فهي بعد كل تلك المعارك التاريخية التي خاضتها منذ مرحلة التأسيس والنشوء وحتى عصر الرهبنة السياسية المعاصر، كانت تتحرك وفي يدها السلاح المدمر الذي يكتسح ما يقف في طريقها لتسلبه قوته وتضيفها إلى رصيدها لتنمو وتتطور، أما اليوم وبعد أن تكاملت مسيرتها متوجة بانفرادها قوة وحيدة وقطبا واحدا يرى نفسه أن له حق التلاعب بمصائر الشعوب، فقد كشفت عن وجهها التوراتي الحقيقي وتخلت عن الفصل الديني / السياسي، ولاسيما منذ أن تولى "بوش" الابن رئاستها، وهو الأمر الذي دفع القس الأمريكي "فريتس ريتسش" ليقول في مقاله المعنون (الرب والإنسان في المكتب البيضاوي) المنشور في "واشنطن بوست": (لم يحدث في التاريخ أن كانت أمريكا مسيحية سياسيا وبشكل علني مثل ما هي اليوم، وأن تقديم بوش تبريرات دينية لحربه علي العراق لهو أمر مقلق بل ومرعب لكثيرين لأن هذه الظاهرة تقلب العلاقة التقليدية بين الكنيسة والدولة في التاريخ الأمريكي رأسا علي عقب، وتجعل رجل الدين في خدمة رجل الدولة، بكل ما يعنيه ذلك من استغلال المسيحية في تبرير الغزو والاستعمار وإشعال الحروب مع ديانات أخري وخصوصا الإسلام.)
لقد تحولت الحروب الأمريكية المعاصرة إلى حروب دينية مرتبطة بمخطط استراتيجي يقوده اليمين المسيحي الصهيوني، وهو تحالف صهيوني مسيحي وضعت قواعده طائفة 'الميسوديت' ليظهر أمريكا وكأنها مبعوث العناية الإلهية الممهد للعودة الثانية للسيد المسيح إلي الأرض، وإنها بحكم هذه المسؤولية يجب أن ترتب وتهيئ المكان الذي سينزل المسيح فيه.
يجد من يتتبع الحراك التاريخي لطائفة الميسوديت، أن دعوتهم التاريخية لتجميع الشتات اليهودي في أرض فلسطين وبناء دولة إسرائيل، إنما كان مقدمات هذا السعي، وكما نؤمن نحن المسلمين أن ظهور الإمام المهدي عليه السلام مشروعا إلهيا لابدي التحقيق، ويجب أن يسيطر على العالم كله، حتى ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد كما في الأحاديث النبوية المقدسة، كذلك الميسوديت وأتباعها من السياسيين الأمريكيين يؤمنون أن قيام دولة إسرائيل مشروع إلهي لابد أن يتحقق ويعلو، وأن علوها محطة تاريخية موجبة لعودة السيد المسيح.
لقد أثمر التعاون بين رجلي السياسة والدين الأمريكيين في نشر أفكار وطروحات 'الميسوديت' التي تعتبر ارض إسرائيل بقعة مقدسة، وتؤمن أن المسيحية جاءت لتقيم التحالف الروحي مع اليهودية لإنقاذ العالم اعتمادا علي كتاب يدعون أنه مقدس نتج عن خلط ومزج التوراة بالإنجيل، لأن العالم الجديد كما يقولون يجب أن ينبعث علي أساس من التوراة والإنجيل، ولا يتم هذا الانبعاث إلا بإعادة ترتيب منطقه الشرق الأوسط بصفتها مهبط السيد المسيح، فهم يؤمنون أن ظهور المسيح لن يتحقق بهدم المسجد الأقصى وإقامة هيكل داود فقط، بل لابد من تهيئة الشرق الأوسط بأسره لاستقبال السيد المسيح في عودته الجديدة، من خلال نشر المسيحية الصهيونية وإقامة دعائمها في الشرق كله، وهو الهدف الإستراتيجي الذي موهوه بالأهداف السوقية المعلنة لحروبهم مثل حرب تحرير الكويت وحرب تحرير العراق ومحاربة قاعدة أفغانستان ونصرة الثورات العربية في ليبيا وسوريا، وتسليح حليفتهم المملكة السعودية بشكل خيالي.
مباديء الميسوديت التي تقود السياسة الأمريكية المعاصرة ليست جديدة بالتأكيد، فهي من مخترعات قس أمريكي يعرف باسم "أوزالدشامبرز" عاش في أوائل القرن العشرين ودعا إلى إقامة تحالف بين المسيحيين واليهود ضد المسلمين، وكان يرى أن حقيقة الخلود تبدأ وتنتهي في المنطقة المحيطة بالقدس (الدول العربية) أما حساب الآخرة فيبدأ من القدس نفسها، وكان يؤمن أن نهاية العالم ستكون في الخمسين عاما الأولى من القرن الحادي والعشرين وعلى المسيحيين أن يحزموا أمرهم بالتعاون مع اليهود في الأعوام العشرة الأولى منه ليحققوا الانتصار الناجز على المسلمين.
وربما لهذا السبب أعلن الداعية والمذيع التبشيري الأمريكي "هارولد كامبينج "أن يوم الدينونة سيقع في 21/5/2011 ثم لما لم يتحقق الحلم، وهو بالتأكيد يعرف أنه لن يتحقق بموجب حساباته الغريبة، تعلل بخطأ حسابي، وزحف بالموعد أبعد قليلا وتحديدا إلى يوم 21/ 10/2011 وكأنه يريد ترسيخ مفاهيم الميسوديت في الأذهان، ثم لما لم يحتمل التهريج الذي جاء به اصابته جلطة دماغية ودخل في غيبوبة.
وعليه يجب أن يكون التحرك المقابل لتحرك الميسوديت وزعمائها الأمريكان والصهاينة تحركا إسلاميا دينيا خالصا حتى وإن موه بالسياسة لأن الدين الذي كان السبب في أغلب النزاعات الإنسانية عبر التاريخ سواء تبعا لأجندته الفكرية أو بسبب توظيف هذه الأجندة لأغراض خاصة، يبقى أفضل خيارات المواجهة لما له من تأثير على الجانب الروحي المرتبط بفكرة بدء الحياة من جديد بعد الموت، وأثر الموت فداء للعقيدة على الحياة الأخروية وهو ما فهمه وروج له عرابا العولمة صموئيل هنتنغتن وفرانسيس فوكوياما، وربما لهذا السبب تبرع عالم الفيزياء البريطاني المعاق "ستيفين هوكينج" ليدعي أولا: (أن العلم يمكن أن يفسر الكون دون الحاجة إلى وجود الخالق) ثم ليطور هذا الرأي معلنا: (أنه لا توجد حياة ما بعد الموت، وما هذه العقيدة إلا مجرد خرافة اخترعها أولئك الذين يخافون من الظلمات) ليوحي لمن يريد الموت باسم الدين دفاعا عن الدين، أن موته سيذهب هباء، وعليه أن يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على عمله.
لكن في ظل الظروف المحبطة والمخيبة للآمال التي تعيشها الأمة الإسلامية، هل من الممكن أن ينجح التصدي الديني في إثبات جدارته؟ قد يكون جواب هذا التساؤل كامنا في أضابير الحكام المسلمين والحركات الإسلاموية المتطرفة، إذ كيف يمكن أن يتحقق ذلك مع وجود عناصر إسلاموية مجرمة تدربت على القتل والتدمير في مراكز من أكثر الجغرافيات الإسلامية قدسية مثل الجزيرة العربية، والخليج، وتتقاضى رواتبها الخيالية وأحكامها الفقهية التكفيرية الإجرامية من الحكام المسلمين أنفسهم وتنفذ أحقر أعمالها وأشدها وحشية ودموية في بيوت الله كما هي جريمة اغتصاب عروس الدجيل في جامع بلال الحبشي من قبل كتائب ما يعرف بـ(الجيش الإسلامي لتحرير العراق)؟ ولا أدري هل أن وسائل التحرير المتبعة عبر التاريخ تحولت حسب مفهوم الجماعات الإسلاموية التخريبية للتحرير من مقارعة المحتلين والظالمين والدفاع عن شرف الحرائر إلى اغتصاب الحرائر العراقيات أمام أزواجهن في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها أسمه!؟
وهل أن التحرير يتوافق مع ما أوردته وكالات الأنباء مؤخرا عن اعتماد حكومتي "أبو ظبي" و"الإمارات" على شركات أمنية أمريكية، سبق وأن عملت في أفغانستان والعراق مثل شركة "بلاك ووتر" المجرمة، لتجند أكثر من عشرين ألف مرتزق من الجنود الأمريكيين المتقاعدين من النخبة المقاتلة، لتوكل لهم حماية البلد من التدخلات الخارجية المحتملة ـ التدخلات الإيرانية تحديداـ ومن الثورات الشعبية المشابهة لثورات تونس ومصر وليبيا والبحرين. فإذا كان الميسوديتي مسؤولا عن حماية البلدان الإسلامية، وإذا ما كان الحاكم الإسلامي ميسوديتي، هل يعني ذلك أن الأول سوف يحارب أبناء جلدته وبلده أمريكا لينتصر للإسلام وينصره، وأن الثاني على استعداد للدفاع عن الدين من خلال قتل المسلمين المخالفين؟
وهل أن التحرير يأتي من خلال قيام الملك البحريني ـ كما أوردت ذلك وكالات الأنباء ـ بحملة لتطويع أكثر من عشرة آلاف مسلم (سني) من المرتزقة الباكستانيين والماليزيين والاندونيسيين وتجنيدهم للخدمة العسكرية في البحرين، ليحارب بهم الأغلبية الشيعية من المسلمين البحرينيين الثوار؟
أم المسلمين المقيمين في دول العالم هم الذين سيقودون حرب التحرير في وقت يرى فيه السياسيون والمفكرون الغربيون مثل "الكسندر ديل فال" (إن المسلمين في الغرب، عدا استثناءات قليلة، يعتبرون مشتبهين محتملين. فهم قد يكونوا فروا من طغيان وإرهاب إسلاميين في بلدانهم الأصلية، لكنهم يتعاطفون مع الخطاب الراديكالي المعادي للغرب) مع أن هؤلاء المسلمين يحملون جنسيات تلك البلدان وبعضهم ولد وتربى فيها وتطبع بطباعها.
ولا أدري هل معنى ذلك أننا يجب أن نغسل أيدينا من حكامنا، أم نعتمد على أمريكا التي يراها البعض بعبعا شريرا ويراها الآخر قديسا رحيما، أم نعتمد على قدراتنا الشعبية الذاتية البسيطة الساذجة، أم نقرا الفاتحة على الإسلام، الذي يعاني الأمرين، ولا يجد نصيرا من أهله؟
وهل في مقدرتنا مسك أمواج البحر لنوقفها، وحلقات ماء البركة الذي حركت دوائره الأحداث المتكررة لنسكتها، أم ننتظر أن تتلاشى الدوائر وتتوقف الأمواج لوحدها؟ أم أنها أمواج سوف تكتسحنا وتلقي بنا إلى المحيط بين أسنان اسماك القرش والحيتان الضخمة الجائعة ونحن حفاة عراة غرلا؟

CONVERSATION

0 comments: