
نعم تنفس الشعب التونسي الصعداء وتذوق طعم الحرية،بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الحكم الديكتاتوري المطلق الموغل في الفساد ونهب خيرات البلاد ومذل رقاب العباد والحاجب للحقائق عن العالم الخارجي،نعم انتصرت الثورة ولكن رغم كل ذلك ما زالت هناك الكثير من المخاطر المحدقة بها،والتي تتطلب من كل قوى تونس الحية المؤمنة بالخيار الشعبي والديمقراطي التوحد،من أجل كنس وتطهير القطاعات الحكومية وأجهزتها من أنصار النظام السابق،والتي ستحاول الإلتفاف على هذه الثورة وإجهاضها،أو العمل على إدخال تونس في حالة من الفوضى الشاملة،فما تقوم به عصابات النظام السابق من عمليات نهب وتخريب وتدمير للممتلكات العامة يندرج في هذا السياق،فالهدف جعل الناس يفتقدون الأمن والأمان،وبالتالي دفع العسكر للسيطرة على البلاد،وبحيث يصبح المواطن التونسي يترحم على أيام النظام البائد فنظام قامع ويحقق الأمن،أفضل من دولة بلا نظام وأمان،وهنا تقع مسؤولية القوى والتيارات التونسية بمختلف ألوان طيفها السياسي،فعليها أن تدرك وتعي أن مصلحة تونس قبل أي مصلحة أخرى،فالمؤامرة على الثورة وهذا الانجاز،لن تقتصر على الداخل التونسي،فأكثر من نظام عربي رسمي له مصلحة بإجهاض هذه الثورة،وكذلك كل من فرنسا وأمريكا تحديداً وإسرائيل،فهذه المجموعة تخشى من مفاعيل وانتشار وتكرار تجربة ما حدث في تونس،حيث أن عرش أكثر من نظام عربي يهتز،وسقوط أي نظام رسمي عربي آخر،يشكل مخاطر جدية على الوجود والمصالح الأمريكية والأوروبية الغربية في المنطقة،وبالتالي تعمل هذه المنظومة مجتمعة إلى أن تسود في تونس كما حصل في العراق بعد احتلاله من قبل أمريكا،فوضى خلاقة وصراعات وحروب واقتتال مذهبي وعرقي وطائفي وأثني،أو كما هو الحال عليه في لبنان،إقامة حكومة غير قادرة على اتخاذ القرارات،ولعل الجميع من قوى الشعب التونسي وأحزابه وتنظيماته،يذكر كيف كانت تحاول أمريكا أن تجهض الثورة الخمينية في إيران والتي اندلعت عام 1979،عندما نصبت "شهبور بختيار" رئيسياً على إيران،كانت تحاول من خلاله أن تجهض الثورة وتحافظ على مصالحها الكبيرة في إيران،ف"بختيار" رفض التنازل عن السلطة للإمام الخميني،وبالتالي لم يكن مناص أمام الشعب الإيراني سوى إسقاط "بختيار"وفي الحالة التونسية لجأت أمريكا والنظام البائد إلى نفس التكتيك،عندما أعلن الغنوشي عن تسلمه مقاليد الحكم،وهو يدرك تماماً أن في ذلك مخالفة دستورية صريحة،ولكن تلك الحيلة والخدعة لم تنطلي على الشعب التونسي والذي أصر على تنحيته عن السلطة أيضاً وضرورة تطبيق الدستور في ذلك.
إن ما حدث في تونس هو انتصار كبير بكل المعايير والمقاييس،ويثبت أن الشعوب العربية،ليست كما يحاول البعض أن يصورها بأنها شعوب ميتة وفاقدة للإرادة والقدرة على التغير،فتاريخ الثورات يعلم أن عملية التغير والثورة ،هي عملية تراكمية وبحاجة إلى قيادة تمتلك الجرأة والإرادة،وشعبنا العربي التونسي،رغم كل الظلم والاضطهاد والقمع،لم يهن ولم يضعف ولم يفقد الأمل،فخاض سلسلة ثورات على مدار السنين والأعوام الماضية،كانت بمثابة بروفات لهذا النصر العظيم،النصر الذي يجب أن تحتذي به الكثير من الشعوب والأحزاب والقوى في الأقطار العربية الأخرى،وأن تزلزل عروش أنظمة الطغيان والفساد والقمع في أقطارها.
وختاماً نقول لحلفاء أمريكا من دول النظام الرسمي العربي،أن أمريكا يهمها بالدرجة الأولى مصالحها،وأنتم مجرد أوراق استخدام،وعندما يلفظكم الشعب فهي أعجز عن حمايتكم أو حتى توفير المأوى لكم،بل تلفظكم كأنكم جرب وترفض حتى استضافتكم.
وأمريكا التي تدخلت في إرادة الشعوب وغيرت بالقوة أكثر من نظام معاد لها ولسياساتها بالقوة العسكرية،ها هي الشعوب تقلب المعادلات وتغير بالاحتجاجات والمظاهرات السلمية التي كفلتها الأعراف والمواثيق الدولية أنظمة صديقة لأمريكا والغرب.
0 comments:
إرسال تعليق