نظرية "عمر زيادة، شكرا سيد صالح"/ صالح خريسات

   في العقود الأخيرة من القرن الماضي، أخذت تتشكل في البلاد العربية،  بوادر نهضة صناعية، وعمرانية، وسياحية، وكثرت مناطق جذب الاستثمار، نتيجة التشريعات التي اتخذتها الحكومات في الدول العربية، وسياسة تشجيع الاستثمار، حيث تحولت هذه الدول  إلى بلدان تجارية،  تتركز فيها معظم أنواع الاستثمارات العربية والأجنبية، وتقيم بها الجاليات القادمة من الدول الأوروبية وأمريكا.
   وقد صاحب هذه النهضة، تزايداً في أعداد السكان وأعداد السياح، وزيادة كبيرة في العمالة الوافدة، من الدول العربية والآسيوية. تبعه فيما بعد، نزوح أعداد كبيرة من العرب، الذين تعيش دولهم ومناطقهم حالات حرب أو صراعات طائفية، فتزاحم على أرض هذه البلدان، ملايين النازحين من القطر العراقي الشقيق، ومن لبنان، وفلسطين، وليبيا، وسورية، ومصر، وتونس، والمغرب. إلى جانب وجود عشرات الآلاف من الطلاب الأجانب، الذين يدرسون في الجامعات والمعاهد العربية.
     هذه النهضة أدت، إلى زيادةً في مداخيل الأسر، وارتقت  عائلات كبيرة إلى طبقات اجتماعية متقدمة، اقتضت ظروف عدد أفرادها من الذكور والإناث، أن يقتنوا سيارات خاصة بهم، تنقلهم إلى مراكز عملهم في الوقت المناسب. وعلى الرغم من الجهود الواسعة التي تبذلها مؤسسات الخدمات في الدول العربية، من أجل توسيع الطرق ومتابعة صيانتها، ووضع الشواخص المرورية عليها، وحفر الأنفاق والجسور المعلقة،   إلا أن حوادث الطرق، وما يترتب عليها من خسائر بشرية ومادية، ما زالت تشكل معضلة كبرى، وعقبة كأداء في مسيرة التقدم، التي يشهدها الوطن العربي كله.
    وتبذل إدارة السير، وأجهزة مديرية الأمن العام، في الدول العربية، جهوداً جبارة في سبيل التقليل من حوادث الطرق، ومتابعة أوضاع الحافلات، للتأكد من سلامتها، وبخاصة حافلات الركاب الصغيرة، التي تزايدت في الآونة الأخيرة حوادثها التي يرتكبها سائقو هذه الحافلات، بسبب تهاونهم، وعدم انتباههم، أو وعيهم لخطورة ما قد ينجم عن مثل هذه الحوادث.
     وبالتأكيد، فإن ما يعنينا في هذه المادة الثقافية تسليط الضوء على أسباب تزايد هذه الظاهرة، وتقديم بعض الحلول والمقترحات التي من الممكن أن تساعد في توفير أسباب حلها .
     إن أول ما يلفت النظر الآن، هو الحالة النفسية التي يعيشها المواطنون في الدول العربية، إذ بدت حوادث الطرق تشكل حالة عصيبة، وقلقا نفسياً لكثير منهم، سيما الذين يعرفون بعض العائلات والأسر، التي فقدت أحد أفرادها في حادث من حوادث السير. وبرأيي فإننا يجب أن نمنع استمرار هذه الحالة من القلق في نفوس الناس، وعدم تضخيمها، فالسائق المرتبك، الخائف من ارتكاب حادثة دهس أو اصطدام بمركبة، لا يمكنه أن يقود سيارته بطريقة صائبة. وكذلك المواطن الذي يخشى من حوادث السير، ويخشى من المرور أمام مركبة، أو بجوار مركبة تسير على الطريق، لا يمكنه أن يقطع الشارع بطريقة صائبة. هذا يعني أن الإعلام وَلَدَ حالة من القلق النفسي، والتوتر العصبي، لدى كل من السائق وسالك طريق المشاة، ووفر إمكانية حدوث حوادث سير، أكثر من ذي قبل، خاصة إذا ما أضفنا إلى هذين العاملين، عامل آخر، وهو قانون السير الصعب، والمخالفات المحتملة، التي يدفع السائق قيمتها على حساب دخل أسرته.
   إنني أرى بأن كثيراً من المواطنين، الذين يقودون سياراتهم، وهم أبناء الطبقة المتوسطة على الأغلب، يقودونها بحالة من شرود الذهن، بسبب عدم القدرة على توفير متطلبات العيش الكريم لأفراد أسرهم، فهم يقودون سياراتهم بدون وعي كامل، وتكون عقولهم مشغولة بما يستجد من أخبار على صعيد الحياة الاجتماعية، وقليل ما يفكرون في الوضع السياسي، أو المناخ الإقليمي والدولي، فهم أبعد ما يكونون عن الاهتمام بمثل هذه المواضيع، سيما وأن لديهم أموراً أهم من ذلك بكثير، منها أقساط المدارس، وفواتير الكهرباء، وفواتير الماء، والهواتف النقالة، وارتفاع أسعار اللحوم، وفقدان مادة الحليب، والعيش في بيوت كالعلب، إلى ما غير ذلك من أسباب اقتصادية واجتماعية، تجعل الحليم حيران. ولا يفوتنا أن نذكر بوضع الطرق، ووضع السيارات، فكما هي الطرق قديمة وتحتاج إلى صيانة ومتابعة بشكل مستمر، فإن السيارات التي يقودها معظم المواطنين من الطبقة المتوسطة، سيارات قديمة ومهترئة، وعجلاتها لا تكاد تحمل نفسها، ولا يجد صاحبها الإمكانات المادية اللازمة لعمل صيانة حسب الأصول، فيتركها للظروف، وليس بمقدوره أن يستغني عن هذه السيارة، لأن ظروف الحياة تفترض دائماً وجود سيارة للأسرة. وقد رأيت من واجبي أن أساهم في الحد من هذه الظاهرة المقلقة. فخرجت بنظرية سميتها نظرية " عمر زيادة، شكرا سيد صالح".
   وتستند هذه النظرية، إلى جملة من التقارير اليومية والسنوية، الصادرة عن مديرية الأمن العام، ودائرة العلاقات العامة، وإدارة السير. وتشمل الدراسة، المملكة الأردنية الهاشمية، المملكة العربية السعودية، دولة قطر، دولة الإمارات العربية المتحدة، سلطنة عمان، اليمن.
   وأظهرت هذه الدراسة، الحقائق الآتية:
أولا:إن تسعين بالمائة، من الحوادث القاتلة، التي أودت بحياة سائق المركبة، كان يقودها شباب، في السن ما بين 17- 20 سنة. ووقعت هذه الحوادث في الطرق الخارجية، بعيدا عن المدينة.  وقد تبين من الملاحظة في هذه التقارير، أن السائق في الغالب، يقود مركبته وحيدا، لا يرافقه أحد من أهله، إلا في حالات نادرة، سجلت وجود بعض الأصدقاء. وهذا يعني أن الأهل والأصدقاء، لا يثقون بقدرة هذا الشاب، في قيادة المركبة قيادة آمنة. أما سبب هذه الحوادث فهو السائق نفسه.
ثانيا:إن تسعين بالمائة، من الحوادث التي ذهب ضحيتها، السائق وأفراد أسرته، أو من يرافقه في المركبة، كان يقودها أشخاص في السن ما بين20-24 سنة. وقد تبين من الملاحظة في التقارير، أن ما نسبته 30% كان بسبب عطل مفاجئ في المركبة.
ثالثا:إن تسعين بالمائة، من حوادث التصادم بين المركبات، كان يقودها أشخاص في السن ما بين 24-40 سنة.وكلما زاد عمر السائق، كان الضرر في المركبة، وفي السائق نفسه، أقل . والعكس صحيح.
رابعا: تزيد نسبة أسباب التصادم بين المركبات، بسبب العطل في المركبة، كلما تقدم عمر السائق، وتقدم عمر المركبة.
خامسا: تقل نسبة ارتكاب الفتيات للحوادث القاتلة إلى حد بعيد. وتزيد في حوادث التصادم مع المركبات، ولكنها لا تسجل نسبة غير عادية.
وبالرجوع إلى النظريات العلمية، علم الاجتماع، علم النفس، وما جرى التقديم له في هذه النظرية. فإنني أرى أن يكون الحل على النحو الآتي:
أولا: تقسم رخصة قيادة المركبة إلى  ثلاث فئات عمرية: الابتدائية، والإعدادية، والشاملة.
ثانيا: تمنح رخصة القيادة الابتدائية، للفئة العمرية ما بين سن 17-20 سنة، ومدتها ثلاث سنوات.
ثالثا: تمنح رخصة القيادة الإعدادية، للفئة العمرية ما بين سن 20-24 سنة، ومدتها ثلاث سنوات.
رابعا: تمنح رخصة القيادة الشاملة، للفئة العمرية من سن 25 سنة.
خامسا: يشترط للحصول على رخصة القيادة الإعدادية، أن يكون الشخص حاصلا على رخصة القيادة الابتدائية. وفي حال عدم توفرها، يمنح  رخصة قيادة ابتدائية مدتها ثلاث سنوات.
سادسا: يشترط للحصول على رخصة القيادة الشاملة، أن يكون الشخص حاصلا على رخصة قيادة إعدادية. وفي حال عدم توافرها يمنح رخصة قيادة ابتدائية.
سابعا: حدود السماح بقيادة المركبة، للحاصلين على رخصة قيادة ابتدائية، هي حدود المدينة التي يقيم بها السائق. ولا يسمح له بقيادة المركبة خارج حدود هذه المدينة.
ثامنا: حدود السماح بقيادة المركبة، للحاصلين على رخصة قيادة إعدادية، هي حدود المحافظة وأطرافها. ولا يسمح له بالقيادة على الطرق الخارجية التي تربط بين المحافظات.

CONVERSATION

0 comments: