حربهم المعلنة/ محمد السهلي

خل الكونغرس الأميركي بقوة على خط الجهود الإسرائيلية لإفشال المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة من أجل نيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967. وربما لا يفاجأ المتابع بمضمون موقف مجلس النواب تجاه هذا الموضوع ولكن ما يلفت الانتباه أن القرار، ببنوده المتعددة، قد قدم وصفة أميركية متكاملة على الفلسطينيين أن يتبعوها بشكل إلزامي كي يصلوا إلى دولتهم التي ارتأتها لهم السياسة الأميركية من موقع القرار.
وقبل تقديم الوصفة هذه يحرص مجلس الكونغرس أن يقدم لقراره المذكور بديباجة تفصيلية تعيدنا إلى اتفاق أوسلو، الذي سبق لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون أن أعلن وفاته في العام 2001، بعد أن أغلق قبله إيهود باراك المرحلة الانتقالية المفترضة وساعدته على ذلك الإدارة الأميركية خلال اجتماعات «كامب ديفيد 2» في تموز /يوليو من العام 2000.
فقرار الكونغرس يحشر سبل التوصل إلى حل سياسي للصراع، بالمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي وبرعاية أميركية حصرية وفق الشروط ذاتها التي فجرت عملية التسوية مرات عدة. ويأتي هذا على أساس توافق كامل بين تل أبيب وواشنطن حول أهداف التسوية ومواصفات الدولة الفلسطينية التي يمكن أن تنجم عنها. ويعتبر أن هذه التسوية تؤدي إلى «قيام سلام حقيقي ودائم بين إسرائيل والفلسطينيين».
وإذا أراد الفلسطينيون إخراج أنفسهم من هذه المعادلة المجحفة، فإن التهديد المباشر هو الخطاب الذي يتقدم به مجلس الكونغرس. فيحذرهم من عواقب وخيمة في حال استمروا في مسعاهم نحو الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة، ومن هذه العواقب قطع المساعدات المالية التي تقدمها واشنطن إلى السلطة الفلسطينية ومقدارها كما قال الكونغرس في مقدمة قراره 550 مليون دولار سنوياً إضافة إلى 3.5 مليار دولار قدمت كمساعدة ثنائية مباشرة بشكل تراكمي. ولم ينس الكونغرس أن يذكر الفلسطينيين أن هذه المساعدات مشروطة بأن يثبتوا على الدوام حسن نيتهم تجاه «عملية السلام بما في ذلك المفاوضات المباشرة مع إسرائيل». كما جاء في ديباجة القرار.
ما سبق ورد بعناوينه الرئيسية في رسالة باراك أوباما إلى الرئيس عباس في 17/5/2010 عندما هدد بقطع المساعدات المالية وبإجراءات أخرى في حال تم رفض الدخول إلى المفاوضات المباشرة والتوجه بدلاً عن ذلك إلى الأمم المتحدة.
وبقدر ما يشكل هذا الخطاب انحيازاً مطلقاً لسياسة حكومة نتنياهو تجاه عملية التسوية فإنه يعني في الوقت نفسه إقصاء للمجتمع الدولي من خلال محاولة قطع الطريق بين الفلسطينيين ومنظمة الأمم المتحدة. ويتجاوز ذلك إلى حد التدخل في هيكلية المؤسسات الفلسطينية وبخاصة الحكومة، الانتقالية المفترض تشكيلها بعد توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة من خلال إعلان الالتزام بشروط الرباعية الدولية من قبل كل وزير في هذه الحكومة وهي سابقة تشكل استفزازاً مكشوفاً للحالة الفلسطينية. ولم نسمع من الإدارة الأميركية أي تعليق يتناول حكومة نتنياهو عند تشكيلها في العام 2009 وقد ضمّت عتاولة اليمين الصهيوني المتطرف الذي يعلن جهاراً دعوته إلى طرد الفلسطينيين من ديارهم.
ومن الطبيعي أن يجد بنيامين نتنياهو وحكومته في قرار الكونغرس دعماً لجبهة الحرب الديبلوماسية والسياسية التي تشنها تل أبيب على المسرح الدولي من أجل إفشال المسعى الفلسطيني وخاصة أن قرار المجلس يدعو الإدارة الأميركية بشكل صريح إلى أن تنشط لتحقيق هذا الهدف من خلال ممارسة الضغط على أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى جانب استخدام قرار النقض في مجلس الأمن في حال طرحت عضوية الدولة الفلسطينية على جدول الأعمال.
ويستكمل المشهد السياسي الدولي تجاه عملية التسوية في المنطقة بفشل اجتماع اللجنة الرباعية الذي عقد مؤخراً في واشنطن. وكان واضحاً أن الولايات المتحدة ترفض البحث عن قواسم مشتركة في المواقف مع مكونات هذه اللجنة وبأنها تسعى إلى وضع الفلسطينيين أمام خيارين: إما المفاوضات بالشروط القائمة أو عقوبات مالية وسياسية تفرض عليهم. ولا نعرف إلى الآن ماذا سيكون موقف لجنة المتابعة العربية في حال اجتمعت كما كان مقرراً لها. وهي الآن أمام مرحلة مفصلية، فإما أن تواصل دورها السابق في مسايرة مواقف واشنطن والتفتيش عن نقاط التقاء معها أو أنها كما هو مأمول تمارس دورها المطلوب في الإعلان الواضح والصريح ليس فقط عن تأييد المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة بل وإعلان الاستعداد لتقديم الدعم السياسي الكامل لهذا المسعى.
تجاه ذلك كله فإن المطلوب برأينا من الحالة الفلسطينية بكافة مكوناتها أن تتوجه نحو تأكيد عدد من المحددات السياسية للمرحلة المقبلة:
• القفز عملياً وبشكل معلن عن موضوعة المفاوضات لأن المعادلة التي ترسمها مواقف كل من واشنطن وتل أبيب لا تسمح على الإطلاق بطرح خيار المفاوضات.
• التأكيد على استمرار المسعى الفلسطيني بالتوجه نحو الأمم المتحدة ومواصلة التفاعل مع الدول التي أبدت استعدادها للاعتراف بالدولة الفلسطينية ومن بينها أعضاء دائمون في مجلس الأمن، لأن تلمس أي تردد فلسطيني بهذا الخصوص سيؤثر سلباً على حصيلة الجهود الذي يبذلها الفلسطينيون وأصدقاؤهم.
• إحياء الجبهات السياسية والدبلوماسية التي جرى إهمالها في السنوات السابقة وبخاصة تثمير القرار الاستشاري في محكمة لاهاي بشأن جدار الفصل العنصري. وكذلك النشاط باتجاه الهيئات والمؤسسات القانونية والحقوقية الدولية من أجل محاكمة إسرائيل على جرائمها ضد الشعب الفلسطيني.
• دعم هذه التوجهات على المستوى الشعبي بإنهاض المقاومة الشعبية ضد الاحتلال ومشاريعه التوسعية في سائر أنحاء الضفة بما فيها القدس.
• وضع الجامعة العربية كإطار ومكونات أمام مسؤوليتها في مواجهة التهديدات الأميركية بقطع المساعدات المالية وغيرها وقيام الدول العربية بواجبها في هذا الشأن بدءاً من الإيفاء بالتزاماتها السابقة وتوسيع هذه الالتزامات بما يكفل مواجهة استحقاقات هذه التهديدات.
• وقبل كل ذلك دعوة المجلس المركزي الفلسطيني للانعقاد من أجل ترسيم خطة وطنية موحدة في مواجهة التهديدات القائمة وحملات الضغط الكبيرة التي تتعرض لها الحالة الفلسطينية بما يكفل إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني التحرري وتحديد أولوياته وآليات تنفيذه ربطاً بالإمكانيات المتاحة والمتوقعة.
• وعند الحديث عن إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني ينهض بشكل صارخ التساؤل المشروع عن سبب عدم تنفيذ اتفاق المصالحة الذي وقع مؤخراً في القاهرة ومراوحة كل من حركتي فتح وحماس على تخوم تشكيل الحكومة الانتقالية التي يبدو أنها، وقعت كما الاتفاق، برمته أسيرة المحاصصة الثنائية البغيضة مما أبقى على مشهد الانقسام ماثلاً .
قرار الكونغرس الأميركي يشكل إحدى الذرى في مسار العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية تجاه عملية التسوية في المنطقة، ويؤكد مجدداً أن الرهان على موقف أميركي متميز عن الموقف الإسرائيلي بشأن هذه التسوية إنما هو ضرب من الوهم.. القاتل .

CONVERSATION

0 comments: