
إن هذه المحاضرات كشفت لي عن الكثير من العيوب والأخطار المحدقة بطلبتنا،وواضح أن الاحتلال يتقدم في خططه وبرامجه واستراتيجياته،ونحن نتراجع وننكفئ،وأيضا فان الاحتلال يحقق نجاحات واختراقات ليست بالقليلة في احتلال واختراق وعينا،وإذا ما تنبهنا إلى ذلك وأدركنا مخاطره،فنحن أمام كارثة حقيقية،كارثة تضرب العصب السياسي في المجتمع،تضرب وتستهدف الجيل الشاب والحي في هذا المجتمع،فأي جيل هذا الذي لا يعتز بانتمائه لوطنه ولقضيته وبلده ؟أي جيل هذا الذي يجهل الأساسيات والبديهيات عن هذا الوطن؟،يجب ان يعاد النظر في المنهاج بشكل جدي،ويجب كذلك ان يكون هناك دورات وتأهيل للمعلمين قبل غيرهم في القضايا المتعلقة بتاريخ فلسطين وجغرافيتها والهوية والوعي والانتماء،ويجب التركيز على الأبحاث وأوراق العمل،وكذلك الرحلات المدرسية،يجب أن يعاد النظر في أهدافها والغرض والغاية منها، وان يتم كذلك خلق حالة من التواصل والفعاليات بين طلبة الضفة الغربية والقدس،حالة من التواصل عبر لقاءات وبرامج ثقافية ورياضية وتراثية وتربوية،فهناك حالة من القطع والاغتراب والشعور بأن الطرفين ليسوا بأبناء شعب واحد،وهذه مخاوف لها ما يبررها على ارض الواقع وليست مجرد هواجس او وجهة نظر شخصية،وهناك من يغذي تلك الفكرة بقصد او بدونه.
أيضاً يجب أن يكون ذلك ناقوس خطر للحركة الوطنية الفلسطينية بمختلف ألوان طيفها السياسي،فلا يعقل أن يتحدث طلبة في المرحلة الثانوية عن أن رفح أو غزة من مدن الضفة الغربية،أو يافا او حيفا من المدن المحتلة عام 1967 وهي جزء من الضفة الغربية،أو لا يعرفون عام النكبة أو يوم الأرض،وأين يعيش اللاجئين الفلسطينيين في الخارج؟،والانفضاح والانكشاف كان أكثر وضوحا في قضايا الأسرى في سجون الاحتلال،وبما يدلل أن قضية أسرانا في سجون الاحتلال لم تتحول الى قضية جماهيرية وشعبية،أو قضية كل بيت فلسطيني،فهناك جهل ليس فقط بمعرفة بإعداد الأسرى في سجون الاحتلال وأسماءهم،بل حتى الذين خاضوا وما زالوا يخوضون إضرابات مفتوحة عن الطعام وبشكل أسطوري مؤخراً خضر عدنان وهناء الشلبي،قلة قليلة عرفت أسماءهم او عرفت أو سمعت عن إضرابهم المفتوح عن الطعام،ولم يشارك أو يبادر أي مهم لمشاركة في أي فعالية تخصهم أو تخص الأسرى،ولذلك أرى ان يكون جزء من وقت حصص التربية الوطنية أو التاريخ أو الجغرافيا لقراءة عناوين وأخبار مهمة في الصحف المحلية والتعليق عليها،أو يتم طرح مثل هذه المواضيع في الإذاعة الصباحية،فلا يجوز هذا الفقر والجدب الثقافي بنا كشعب تحت الاحتلال،ونحن نتشدق بأننا أوعى الشعوب العربية،علينا أن نعترف بأننا أمام أزمة حقيقية وجدية،ازمة يستحيل الحديث عن بناء دولة او مجتمع مدني في ظل استفحالها وتفاقمها،بل نعيد إنتاج مجتمعات قائمة على الجهل والتخلف وثقافة الدروشة،ثقافة تقدم الانتماءات العشائرية والجهوية والقبلية والطائفية على الانتماء الوطني،يعني تكريس لتشظية المجتمع وتفكيكه،فهل نحن كحركة وطنية متنبهين الى مثل هذا الخطر الداهم؟،خطر من شأنه ضرب نسيجنا المجتمعي وتفكيكه.
التوعية والثقافة أولا وعاشرا،فبغياب الثقافة والوعي،لا مجال للحديث عن حرية او بناء مجتمع عصري،أو دولة لكل مواطنيها،دولة تسودها التعددية الفكرية والسياسية،تصان فيها الحريات والكرامات،والوعي يجب أن يقترن بالممارسة على الأرض وبين الناس،فالنظرية والأفكار بدون تطبيق مثل الشجرة اليابسة لا تثمر،وهي كذلك العملية التعليمية بدون توعية وفهم،هي غير منتجة ومثمرة،بل تخلق جيل مشوه الثقافة والوعي،غير قادر على النهوض والبناء وتحمل مهامه ومسؤولياته.
0 comments:
إرسال تعليق