مستويات المعنى في قصيدة "الزورق العليل" لحميد كشكولي/ د. أفنان القاسم

"تَحْتَضِنُ أذرعُ الشرفةِ المقابلة 
امرأةً تنشرُ قلقها على حبل الغيوم كل ليلة."

تبدأ قصيدة الزورق العليل بهذين البيتين، فيربك تنظيمها –لا أقول نظمها- نظام المعنى تحت قلب –لا أقول انقلاب- طوعي للعنصرين الشعريين الأساسيين، الشرفة والمرأة، وذلك بتأنيس الشرفة وتشييء المرأة، فالشرفة تحتضن بأذرعها كأي إنسان، والمرأة تنشر قلقها كأي شيء كان، وهذا هو المستوى الأول للمعنى، مستوى الوصف.

"وتُدَثِّرُ جسدَهَا المكتوي بنار العفة بمعطف الدكنات،
ضفائرها تلتف حول رقبة القمر الخجول،
فتشتد حمّى السماء."

التوصيف المعنيي (من معنى) يتواصل على مستوى ثان، مستوى السياق، المرأة وجسدها وضفائرها مقابل القمر ورقبته وجسده (تضمين حمى السماء)، فتدثير جسد المرأة بمعطف الدكنات يعمق من التشيؤية، وبالتالي من السياقية التي تشغل بال الشاعر، لأن حبل الغيوم في البيتين الأولين ليس كافيًا، وهو ليريح نَفَسَهُ الشعري يأتي بالضفائر كناية عن الحبال، ويلف بها رقبة القمر، ولا يكتفي بذلك إلا بالتأكيد على الصفة الإنسانية فيه، صفة الخجل، وصفة الحمى بعد أن جعل من السماء له جسدًا.

"تجري خفقات الهيام تعزفها أنامل الضجر،
من القدمين إلى العيون. 
فيا عيون! إيّاك ِ السهو 
عن الصلاة في زورق ِ انتعاش الطيور حين تتجاوز مدار الحنين."

يفصل الشاعر بين البيتين السادس والسابع وبين البيتين الثامن والتاسع ونحن نجمعها في وحدة شعرية واحدة، وحدة مركبة من وحدتين، تمامًا كما فعل في البيت السادس، بيت مركب من بيتين (تجري... تعزفها...). فيا عيون الثانية، كأداة نداء ومنادى للعيون الأولى، توجب الجمع إن لم يكن الدمج، ليكون المعنى، وهذا هو المستوى الثالث، النحوي والصوتي في آن، الخفقات والعزف تتناغم كلفظ وكإيقاع، ولكن على الخصوص كترجح وكتمايل للزورق. 

"يتبلل وجه الأرض بأنفاس العليل،
فتتخضب ُ بأبهة شجرة السرو، 
وكبرياء الكمثرى." 

تتواصل أنسنة الأشياء، فللأرض وجه وللعليل أنفاس وللسرو خاصة التخضب وللكمثرى خاصة الكبرياء، فلا يوجد مستوى رابع للمعنى –ليس بعد-، يوجد أفق أساسي للمعنى القصيدي، بدأ الشاعر بفتحه حين الحديث عن زورق في البيت التاسع، زورق لا علاقة له بالزورق العادي (زورق انتعاش الطيور)، ولم يغلقه –ليس بعد- في البيت العاشر حين الحديث عن أنفاس العليل، عليل لا علاقة له بالمريض، وتحت هذا المعنى لا علاقة له بالعنوان، أنفاس العليل هنا هي أنفاس النسيم. 

"تنزل النجمات واحدة بعد أخرى من سطوع القمر، 
نحو جهة لطف ملموس.
تلمس بشرة النافذة بأناملها،
تمطر النجومُ نورَ التوحد على ظلال المرأة،
وتقبل النافذة شفاهها الدافئة.
وجناتها شمعدان أبيض
معلّق بين تخوم السطح والنافذة
على ارتفاع الجدار والخنجر الشرقي. 
وتهب أنسام الخريف على أرض الشتاء، 
على مهل وكأنها تملأ كأس النبيذ الأحمر بين ارتعاشات الشفاه."

مستويات المعنى ما هي سوى عمليات، كما يقول بارت، ومن الطبيعي أن تتعدد على مدار القصيدة، وحسب هذه القصيدة أو تلك، في الزورق الثمل لرامبو هي غيرها، ونحن لا نقرأ ما هو سرد (قصيدة حميد كشكولي أقرب إلى السرد)، كما يقول بارت، كلمة بعد كلمة، وإنما مستوى معنيي بعد مستوى معنيي، أي أن المعنى، كما يضيف بارت، ليس عند نهاية السرد، وإنما يَعْبُرُهُ. وأكثر ما يعبّر عن هذا، الوحدة الشعرية الأخيرة للقصيدة، حيث مستويات المعنى السابقة تأخذ صفة "التوحد"، نقرأ: تمطر النجومُ نورَ التوحد على ظلال المرأة، وهذا هو المستوى الرابع للمعنى، وذلك عندما تختلط حركة النجمات بحركة النافذة بحركة المرأة ولا يبقى هناك مكان لما هو شيئي ولما هو بشري، مستوى المعنى الوظيفي.

وماذا عن مستوى المعنى التمثيلي، المستوى الخامس؟

الجدار والخنجر الشرقي كما جاء في الوحدة الشعرية ما قبل الأخيرة يدللان في تمثيلهما البنيوي على هذا الزورق العليل الذي يترنح بالمرأة مجازًا، بقلقها، ونار عفتها، وخفقات هيامها، وضجرها، وحنينها، إلى آخره... ولكن الاصطدام بالعالم التقليدي، بالخنجر الشرقي، اصطدام الزورق العليل بالصخر، بالجدار، يكون بالقوة الشعرية للقصيدة، بالقول الشعري، بابتكار القول الشعري، نقرأ: تنزل النجمات واحدة بعد أخرى من سطوع القمر، وفي الوقت ذاته نقرأ: تنزل النجمات واحدة بعد أخرى من سطوح القمر، ما تقترحه أغلب الاستعارات والصور، بالمعنى التمثيلي الجامع لكل المعاني التي جئنا على ذكرها، يكفي أن تقال هذه المعاني شعريًا لتتحرر المرأة من كل أصفادها، فالبيتان الأخيران يلغيان التشيؤ، ويؤسسان لوضع عادي طبيعي إنساني...

ramus105@aliceadsl.fr

CONVERSATION

0 comments: