يوميات نصراوي: ما تبقى من التاريخ/ نبيل عودة

قال لي رفيق شيوعي من فرع الناصرة، اعرفه من أيام قيادتي للشبيبة الشيوعية في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، ان لا اتعب نفسي بمراسلة جريدة "الإتحاد" الشيوعية  لأنها لن تنشر لي. الباب أغلق!
 فاجأني بجملته وانا القي عليه التحية.
لم افهم مناسبة هذا الحديث ولم أكن قد سألته عن سبب تجاهل صحيفة الحزب لمقالاتي (على الأقل التي سوقت بها جبهة الناصرة بشكل غير مسبوق إعلاميا في معركة انتخابات البلدية الأخيرة).  
 كما يبدو أراد ان أحثه على المزيد من الكشف لأنه أوقفني بمد يده للسلام .
  الجبهويون والحزبيون في الناصرة وكل المنافسين للجبهة  من القوائم الأخرى ، يعرفون ما هو الدور الذي قام به نبيل عودة دون ان ينتظر أجرة من احد. بل من منطلق وعيي لمكانة المدينة ومستقبلها. لم يكن غيري في الساحة الإعلامية إلا إذا اعتبرنا ما كانت تنشره جريدة "الاتحاد" الشيوعية من أخبار الاجتماعات تسويقا.. وهو إعلام بدائي في المفاهيم الإعلامية العصرية.
قلت له: لست قلقا من مقاطعة "الإتحاد"، أنا غاضب منهم لغبائهم، لانغلاقهم وقصورهم الإعلامي بحق مدينة الناصرة.. وبحق شعبنا . افتقد دور "الاتحاد" التنويري. افتقد دورها الثقافي. افتقد حتى دورها السياسي. نحن في عصر القفزات الإعلامية، الإعلام أصبح سلطة اجتماعية، سياسية وتثقيفية حاسمة، وهم ما زالوا يبكون على أطلال إعلام يتلاشى من عالمنا، لم يعد له أثر او تأثير في وقتنا الراهن.. لا افهم كيف لم يستوعبوا بعد أهمية الإعلام ألالكتروني؟
 قال مبتسما: ليس هذا ما قصدته!!
قلت:لا افهم دوافع هذه المقاطعة التي تتواصل منذ ثلاث دورات انتخابية.. أي ما يزيد عن 15 سنة. عندما كنت محررا في جريدة "الأهالي" نصف الأسبوعية (بين 2000 – 2005)، حولتها  إلى منبر إعلامي للجبهة ومرشحها للرئاسة رامز جرايسي. وأضفت قائلا لذلك الرفيق الشيوعي: اني خضت ثلاث معارك انتخابية لبلدية الناصرة، كنت فيها الكاتب الوحيد تقريبا في تسويق قائمة الجبهة ومرشحها للرئاسة. في المعركة الأخيرة كتبت أكثر من 20 مادة إعلامية (مقالات وقصص انتخابية ساخرة) نشرت منها "الاتحاد" مادة واحدة بعد تدخل كل قيادة الجبهة في الناصرة... ونشرت مقالاتي في عشرات المواقع ولم يهمني ان اعرف سبب هذا العداء من جريدة "الاتحاد" وحزبها!!
قال: قرأت أكثرية ما نشرته.
سألته : هل من سبب لهذا الموقف العدائي؟
قال : لا أريد ان اكشف لك حتى لا أصدمك.
قلت ضاحكا: لماذا أوقفتني إذن؟ لا تخف أعصابي قوية.. قل ما لديك .. واجهت ما هو أسوأ من المقاطعة.. واجهت التهديد بسبب دفاعي عن الجبهة من منافسيها .. ونُشرت أخبار التهديد في وسائل إعلام محلية عربية وعبرية، وفتحت الشرطة ملف للتحقيق، ولم يتكرم من دافعت عنهم ان يتصلوا للتعبير عن تضامنهم معي على الأقل.
بعد إصراري ان اعرف سببا معقولا لمقاطعتي قال بتردد في البداية: السبب فرع الناصرة. سألته: ما علاقة فرع الناصرة؟ قال: فرع الناصرة للحزب الشيوعي أرسل لهيئة تحرير جريدة "الاتحاد"، بعد ان نشرت لك بتتابع بعض المقالات والقصص (بعد انتهاء معركة الانتخابات بهزيمة الجبهة) يطالبها بالكف عن نشر مقالات نبيل عودة.
سألته: ما التبرير؟.. هل فرع الناصرة يقرر بسياسة جريدة حزب؟
مرة أخرى تردد. لكني أصررت. 
قال ما معناه ان فرع الناصرة يتهمني في رسالته لجريدة "الاتحاد" بأني اعمل مع مكتب رئيس الحكومة نتنياهو على تجنيد المسيحيين للجيش.
ضحكت وتوقعت ان يكون ما قاله مزحة منه..
قلت: والآن قل لي الحقيقة؟
قال لي : قلتها لك..توقعت ان اصدمك بهذا الكشف.
استغرقني بعض الوقت لأصدقه، ولكنه يصر ان كلامه ليس مختلقا، وأصر: باستطاعتك الاستفسار من رفاق آخرين دافعوا عنك. قلت : أنا الآن على يقين ان استقالة إل 50 رفيق ورفيقة من أنشط أعضاء الحزب والشبيبة في الناصرة ، وتشكيلهم لمجموعة "شباب التغيير" وإصرارهم على عدم توقيع اتفاق فائض أصوات مع الجبهة في الانتخابات الأخيرة، ورفضهم الدعوة للتصويت لرامز جرايسي لرئاسة البلدية والتسبب بإسقاطه بأصوات قليلة وهزيمة الجبهة في أهم معاقلها (رغم اني أرى خطأ ذلك) لم يكن إلا نتيجة أوضاع مريضة داخل الفرع وربما أوسع من الفرع. يبدو لي ان تاريخ الحزب الناصع قد أغلق وما نشهده اليوم هي ظلال لما كان. 
اضفت: لست غاضبا. لي موقف من الخدمة المدنية لم أخفيه. ولكن اتهامي بالتعامل مع نتنياهو وتجنيد المسيحيين في الجيش هو تجاوز لكل الحدود الأخلاقية وليس السياسية فقط.
 اعترف اني أشعر بالقرف. لاشيء إلا القرف من أساليب مخابراتية لا أخلاق فيها. كم كنت طيب القلب خلال 15 سنة،  يتجاهلوني وأواصل دعمهم. يقاطعونني وأدافع عنهم. يشوهون سمعتي وارى بدعمهم قضية وطنية واجتماعية هامة.
نبيل عودة صفحة مفتوحة بمقالاته كلها. ما نشرته منذ العام 2006 في الانترنت فقط يزيد عن 600 مقال يمكن الوصول إليها عن طريق الانترنت، عدا مئات كثيرة أخرى في الصحافة المحلية ومعظمها بجريدة "الاتحاد" والتي في فترة ما كنت انشر فيها مقالين أسبوعيا، رغم اني لست موظفا فيها ، بل مدير إنتاج في الصناعات الثقيلة..وليس سرا ان الصفحات الثقافية للإتحاد أصحبت في فترة ما  أشبه بصفحات شخصية لنبيل عودة!!
باستطاعة أي قارئ ان يراجع مواقفي السياسية، الثقافية والفكرية، بما في ذلك موقفي من الخدمة المدنية. أما توزيع التهم، وهو للأسف تقليد سياسي برز في ممارسة الحزب الشيوعي بعد ان بدأ يفقد مركزيته في الواقع العربي داخل إسرائيل، يسبب أضرارا للحزب وتراجع مكانته، ويبدو أني لم أقيم بشكل صحيح ان تاريخه الناصع وصل نهايته، واني ما زلت متمسكا بنوسطالجيا عبثية مثل مسرحية "في انتظار جودو"!! 
طلب مني ان لا اكشف اسمه حتى لا يتعرض للمحاسبة الحزبية. قلت حتى بدون طلبك لن اكشف اسمك لعقليات مريضة اعرفها أكثر منك. 
*******
ذكرني هذا اللقاء غير المتوقع بحدث جرى قبل أكثر من عقد من السنين، أيضا أثناء معركة انتخابية لبلدية الناصرة. جلست وقتها، في مهرجان افتتاحي لجبهة الناصرة عقد في بيت الصداقة في الناصرة، إلى جانب أستاذ علمني في الثانوية وتربطني به صداقة شخصية، أستاذ ثقف كل أهل بيته على المواقف الوطنية الشريفة. التقيته  بعد أيام من المهرجان، قال لي انه غاضب على رفيق شيوعي مسئول رفض ان يكشف لي اسمه، قال له بعد ان انتهى المهرجان: كيف تجلس بجانب نبيل عودة الذي انتقد توفيق زياد؟ طبعا رد عليه ولن أورد الرد .. لأنه ليس موضوعي. لكنه قال لي انه خائف من هذا الجو المريض ان يسيطر على الحزب والجبهة. يبدو ان خوفه كان بمكانه الصحيح. للأسف غادر عالمنا قبل سنوات قليلة.
مع مثل هذه العقليات الحاقدة لا يمكن التعامل. لست غاضبا، لكني آمل ان يقوم العقلاء، واعتقد ان صفوف الحزب لا تخلو منهم، بتصحيح المواقف، عقلتنها، ضبط الانفلات الغوغائي والتسيب في التطاول على شيوعيين سابقين لم يجدوا مبررا كافيا لاستمرار عضويتهم في الحزب، لأن تصرفات بعض قادته تجاوزت حسب رؤيتهم كل المنطق السياسي السليم. وجهة نظرهم هي ان استمرار النهج القائم سيراكم أزمة الحزب السياسية والقيادية ( وهذا ثبت) وهم ليسوا مستعدين للبقاء في تنظيم لا يحاسب قادته على تصرفاتهم.. بل يقمع كل نقد من أعضاء التنظيم.. ولست الأول أو الأخير الذي يواجه هذه الإشكاليات.
 هناك أحداث قررت حتى الآن عدم كشفها، رغم انها جاهزة لدي للنشر منذ سنوات. لست مخربا، بل ناشط سياسي له مواقفه المستقلة وبعضها يختلف ويتناقض مع موقف الحزب الشيوعي في السياسة أو الفكر. رغم ذلك ما زلت أرى بالحزب الشيوعي كإطار وليس كأشخاص، النهج الأكثر تحملا للمسؤولية والأكثر أحقية بتمثيل مجتمعنا وشعبنا. هذا موقف مبدأي لا يتغير بسبب تصرفات غبية لمن جعلوا حزبيتهم سلفية دينية منغلقة!!
لا اعرف من هم قادة الفرع في الناصرة. لكني آمل ان يراجعوا حساباتهم وضمائرهم. ليس مع نبيل عودة فقط، إنما مع قواعدهم وأبناء شعبهم الذين  سينفضون من حولهم تدريجيا إذا ظلت هذه العقليات المخابراتية سائدة. الخطأ ليس بمن يترك صفوفكم. الخطأ في نهجكم الفاشل، بغياب التثقيف الفكري من تنظيمكم، الشيوعية ليست عضوية حزب، الشيوعية مسؤولية إنسانية، وطنية وحضارية، فقدانها اسقط الأنظمة العظمى، فهل سيصمد حزبكم باجتراره تهما من القواميس الشيوعية المهلهلة؟!
على الأقل لا تبصقوا على تاريخكم، لأنه تاريخ كل المناضلين الذين لم يسلموا الراية في أحلك الظروف !!

nabiloudeh@gmail.com

CONVERSATION

0 comments: