بيضٌ وحياءٌ وثورة/ جواد بولس


ليس همُّ من يستكتِب أحدَهم، أو من يُستَكتَب، كهمِّ من يثابر على كتابة مقالة أسبوعية. فالأخير يطوّر ملكة وحسًّا يمكّنانه من تقييم ما يكتب خاصةً عندما يُسكب الحبر أحمرَ من غضب وحاجة "لفشة خلق".
بعض ما كتبتُ، كان بلا شك كتابة غاضبة، قلقة وواخزة، لا من باب هوىً في هجاء أو تنكيد. ما أدى لذلك كان تبجّحُ مدّعٍ، "نقّه ونقيقه" يؤذيان أكثر من درداب طبل، أو تشاوفُ "رفّاض" (محترف رفض)، ذخيرته محشوة أبدًا في صحن حلقه بجاهزية لا تكفّ ولا تكلِّف ولا تكلَف، فتنطلق رصاص قذع وتخوين وتعالٍ في وجه كل ندّ أو منافس، سيان عنده الحر الكريم والعدو أو المستعدى، أو رومانسية ثوري حالم يذوب وجدًا حتى الدنَف، فعنده، أول الرواية نكبة، وآخر القصة نكبة، وما بين النكبة والنكبة كنبة وكبة وكبوة وبكوة. هؤلاء، وليس لوحدهم، يدفعونني، أحيانًا، لأن أبق الحصوة وسلامي على سلام!
أعتقد أنّ هنالك بعض الأفعال والنشاطات والفعاليات ضرورتها واضحة وهي بديهية لا تحتاج لفلسفة أو تحليل علمي أو أدلجة وما إلى ذلك من قاموس الكبار المتعلمين والمثقفين.
لا أمس بأحد ولا استهدف فئة عندما أقول، مثلًا، أن مشاركة مواطن مسحوق، حوّلته الدولة أو تنوي تحويله إلى نوري أندبوري، في نشاطات احتجاجية، شعاراتها محاربة محاولات "أنورته وأندرته"، هي مسألة واضحة بديهية لا حاجة لفلسفتها، أو إعادتها إلى مربع الانتكاب الأصلي أو ما تلاه من نكسات واحتلال وما ترتّب ويترتب على ذلك قوميًا ووطنيًا وأمميًا وصَحَويًا. هكذا أعتقد وسأظل. أو أن أعتقد مثلًا أن انتشار القاذورات في شوارعنا وبجانب بيوتنا، وعدم اكتراث أصحاب هذه البيوت لنظافة ما يتعدى أسوار السترة والحشمة، هو مَقرفة نحن المسؤولون عنها ولا دخل فيها للإمبريالية والاستعمار والصهيونية، حيث يصر البعض أن زوالها لن يتم إلّا بزوال الاحتلال.
أن ينجح مجلس محلي أو بلدية عربية بتوسيع مسطح بلده هو فوز عظيم، سيان إن تأتّى ذلك جراء اجتماع في مكتب وزير داخلية عنصري أو على أمواج حناجر من بات في جادة روتشيلد أو غيرها، وطبعًا دون أن ننجح ولا أن نشترط ذلك بإعادة مهجّري الوطن إلى بيوتهم ولا لاجئيه إلى ديارهم و"طبعنين" دون أن نتهم ذلك الرئيس بكونه مفرّطًا ومتواطئا ومتساهلًا مع "يشاي" ورهطه.
أستطيع أن أملأ صفحات عمّا أحسبه بديهيًا في وجودنا كمواطنين، طبعًا فلسطينيين، في دولة إسرائيل، ولا يحسبه غيري كذلك. القضية في الموقف الذي يؤمن فيه كل فرد منّا والأهم في أسلوب ممارسة إيماننا وأكثر في الحوار حول ما نختلف فيه وعليه.
علمتني التجربة أن لا أكتفي بما بدر من فعل، أو قطر عسلًا من طرف لسان، أو تحرك في مآقٍ دمعة أو صرخة متألم، فالأمور لها ظواهر تخفي بواطن، والفعال تطن بالمعلن ودائمًا يبقى مخفيّها أعظم!. والعين تعشى وترمد أحيانًا وتصاب بغشاوة، التجربة كفيلة بجلوها بدون ومع ماء العين والجبين.
أجمل الغشاوات ما سبّبته "الرومانسية الثورية". وعلى علّاتها هذه الرومانسية تستعذب، سيّما عندما تكون عابرة ومرحلية، عندها تذكُّرها يستدعي البسمة. والبسمة مهماز الذاكرة، وهذه تعود بي إلى أيام كنا طلّابًا في الجامعة. بعضنا سكن في دير مار يوسف في شارع الأنبياء بالقدس .
خبزنا كفافنا، وأحيانًا على حافة الجوع، عشنا بتقشف مستديم. تحايلنا على الواقع بخيال جائع وهشاشة روح زميل. كنّا نوقت زيارتنا إلى الدير مع ميعاد غذائه فدائمًا كان غارقًا بالثورة، ملتاعًا وحانقًا على الصهيونية وابنتها، نعتلي الدرج فتفوح صوبنا من مطبخ الدير رائحة زيت زيتون سخنين، وتملأ أنوفنا الخائرة بنكهة البيض البلدي المقلي. نلقي التحية وصاحبنا يرد عليها بصوت تغلبه فرقعة "طشطشات" الزيت يغازل أطرافًا تشقرّ بعد أن كانت بيضاء. مِعدنا تستنفر، ريقنا يفضح وعقلنا يقدح. نبدأ بالحديث عما رأيناه قبل مجيئنا. حوافر خيل شرطة الاحتلال والصهاينة تعتدي على فلاحات فلسطين اللواتي يعرضن بضاعتهن على أرصفة القدس الباكية. نصور هروبهن وملاحقتهن المُذلَّة. رويدًا رويدًا تبدأ أذنا صاحبنا بالتقاط المذلة، وفي لحظات يبدأ يستفسر عن التفاصيل. من طرفنا، نقوم بشرحها بدراماتيكية لا يقوى عليها حتى يوسف شاهين. يمتلئ قلب صاحبنا بزيت الواقع وعيناه يتطاير منها الشرر وتحمرّ في مقلاتها. يدفع صاحبنا "الكنز" إلى طاولة جانبية وهو يحدث نفسه، على مسامعنا، ويولول، يتوعد ويتهدد هؤلاء الغزاة المحتلين. ما بين بكاء خفيّ ووعيد يفقد صاحبنا شهيته! فكيف لثائر مثله أن يأكل ويهنأ وأمهات فلسطين يذللن على أرصفة القدس المغتصبة؟! يترك المقلاة وما فيها من خير. ينسحب لرحلة استشقاء ثورية إلى غرفته. نبقى نحن الجائعين مع الزيت والبيض وما أعد من بصل مرافق وخبز وفائض رومانسية ثورية.
لشباب اليوم، وأجيال المستقبل أتحدّث، فأنا واثق أن غالبيتهم العظمى لن ترضى بأن تكون ببغاوات تردد ما تسمعه من "أسيادها" ولا فرق عندي من يكُ هذا السيّد الموقٌر، محلّيًا أو مستوردًا، عالمًا بالغيب أو صاحب معامل لصكوك ومنها صكوك غفران.
لهم أقول ستبقى التجربة سيّدة المواقف والزاد لمن سيتزود منها وبها، وسيبقى علمكم ضمانًا لاتّزانكم وميزانكم لتجيدوا الاختيار بين غث وسمين وبين سراب يبقى "طُعمًا" لفرح الشعراء المؤجّل وسراب كالسراب، لن يفضي إلّا للخراب ولن يخيّب صداع التجربة !
غشاوة زميلنا داوتها الأيام والتجربة فبقي على وطنيته الصادقة وبقينا على شراكة مقلاة الزمن والبيض والزيت والأيام. غشاوة أعادتني إلى البسمة وهي مهماز الذاكرة. والذاكرة دفّاقة ملأى بصيد السنين، ومعها سنبقى على ميعاد.


jawaddb@yahoo.com

CONVERSATION

0 comments: